قال تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [1] .
في هذهِ الآيةِ الكريمةِ يبيّن اللهُ عزَّوجلَّ مشروعيةَ المباهلةِ لنبيِّهِ صلى الله عليه وسلم , بعدَ أن جاءهُ العلمُ الحقُّ في عيسى عليه السلام وهو أنّه عبدُ اللهِ ورسولُه وليسَ كما يدَّعي النّصارى من الألوهيِّة له والبنوّةِ , ولأنّهم استمروا على المحاججةِ بالباطلِ.
قالَ ابن عاشور: [تفريعٌ على قولهِ: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [2] لما فيهِ من إيماءٍ إلى أنَّ وفدَ نجران ممترونَ في هذا الذي بيَّن اللهُ لهم في هذهِ الآيات , أي فإن استمروا على محاجَّتِهم إيَّاكَ مكابرةً في هذا الحقِّ أو في شأنِ عيسى فادعُهم إلى المباهلةِ والملاعنةِ , ذلكَ أنَّ تصميمَهم على معتقدِهم بعدَ هذا البيانِ مكابرةٌ محضةٌ بعدَ ما جاءكَ من العلمِ وبيَّنت لهم، فلم يبق أوضحَ مما حاججتَهم بهِ فعلمتَ أنَّهم إنّما يحاجونَكَ عن مكابرةٍ، وقلِّة يقينٍ، فادعُهم إلى المباهلةِ بالملاعنةِ الموصوفةِ هنا].
وقالِ أيضًا: [والابتهالُ مشتقٌّ من البهل وهو الدُعاءُ باللِّعنِ , ويُطلقُ على الاجتهادِ في الدعاءِ مطلقًا لأنَّ الداعيَ باللِّعنِ يجتهدُ في دعائهِ , والمرادُ في الآيةِ المعنى الأولِ ,ومعنى {فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} فندعُ بإيقاعِ اللَّعنة على الكاذبين. وهذا الدعاءُ إلى المباهلةِ إلجاءٌ لهم إلى أن يعترفوا بالحقِّ أو يكفُّوا] .
"ثم ختم بقوله: [وهذهِ دعوةُ إنصافٍ لا يدعو لها إلا واثقٌ بأنَّهُ على الحقِّ] [3] ."
وذكرَ القُرطبيُّ أنَّ هذهِ الآيةِ من أعلامِ النبوّةِ فقال: [ {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} أي جادلكَ وخاصمكَ يا محمّد {فِيهِ} ، أي في عيسى {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} بأنَّه عبدُ اللهِ ورسوله. {فَقُلْ تَعَالَوْا} أي اقبِلوا
(1) سورة آل عمران , الآية: 61
(2) سورة آل عمران , الآية: 60
(3) ابن عاشور , مرجع سابق , 3/ 265 - 266.