فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 129

لمّا كانَ تخلُّق عيسى على غيرِ جري العادةِ من دونِ أبٍ بل بكلمةٍ من اللهِ , ضلَّ النَّصارى فيهِ وقالوا هو ابنُ اللهِ , فردَّ اللهُ عليهم هذهِ الشبهةَ بأنَّ النّصارى قد ضلَّوا بعيسى , وألّهوه ونسبوه للهِ ابنًا من أجل ذلكَ , ولو تفكّروا بخلقِ آدم عليه السلام لوجدوا أنّه أولى من عيسى بذلكَ , فإنّما كانَ خلقه من ترابٍ , ولكنَّ الله جلَّ في علاه غنيٌّ عن خلقهِ وهم إليه فقراء محتاجون.

وقد أجادَ ابن عاشورٍ في الاستدلالِ بهذهِ الآيةِ الكريمةِ والاحتجاجِ بها على ردِّ شبهةٍ من أعظمِ شبه النَّصارى.

فقالَ -رحمه الله-: [استئنافٌ بيانيٌّ بيَّن به ما نشأَ من الأوهامِ، عندَ النَّصارى عن وصفِ عيسى بأنَّه كلمةٌ من اللهِ، فضلَّوا بتوهُّمهم أنَّه ليسَ خالصَ النَّاسوتِ , وهذا شروعٌ في إبطالِ عقيدةِ النَّصارى من تأليهِ عيسى، وردِّ مطاعِنهم في الإسلامِ وهو أقطعُ دليلٍ بطريقِ الإلزامِ لأنَّهم قالوا بإلهيِّة عيسى من أجلِ أنَّه خُلِقَ بكلمةٍ من اللهِ وليسَ لهُ أب، فقالوا: هو ابنُ اللهِ، فأراهم اللهُ أنَّ آدمَ أولى بأن يُدعى له ذلكَ، فإذا لم يكنْ آدمُ إلهًا معَ أنَّه خُلِقَ بدونِ أبوينِ فعيسى أولى بالمخلوقيِّةِ من آدم. ومحلُّ التمثيلِ كونُ كليهما خُلِقَ من دونِ أبٍ، ويزيدُ آدمُ بكونهِ من دونِ أمٍّ أيضا، فلذلكَ احتيجَ إلى ذكرِ وجه الشبهِ بقولهِ: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} الآية , أي خلقهُ دونَ أبٍ ولا أمٍّ بل بكلمةِ كنْ، معَ بيانِ كونهِ أقوى في المشبَّهِ بهِ على ما هو الغالب. وإنّما قالَ: {عِنْدَ اللَّهِ} أي نسبتهُ إلى اللهِ لا يزيدُ على آدمَ شيئًا في كونهِ خلقًا غيرَ معتادٍ لكم , لأنّهم جعلوا خلقهُ العجيب موجبًا للمسيحِ نسبة خاصّة عندَ اللهِ وهي البنّوة. وقالَ ابنُ عطيِّة:"أرادَ بقولهِ: عندَ اللهِ نفس الأمرِ والواقع"] اهـ [1] .

(1) ابن عاشور , مرجع سابق , 3/ 263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت