وهذا حالُ كثيرٍ من طوائفِهم وفرقهم، ولأنَّهم كانوا يأخذونَ بأقوالِ أحبارِهم ورهبانِهم المخالفة لما هو معلومٌ بالضرورةِ أنَّه من الدين، فكانوا يعتقدونَ أنَّ أحبارَهم ورهبانَهم يُحلِّلونَ ما حرَّم الله، ويُحرِّمونَ ما أحلَّ الله، وهذا مُطَّردٌ في جميعِ أهلِ الدينين، ولذلكَ أفحمَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم عديًِّا بن حاتم لمَّا وفد عليه قُبيل إسلامه لما سمع قوله تعالى: ... {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} وقالَ عدي: لسنا نعبدهم فقال: «أليس يُحرِّمون ما أحلَّ الله فتحرِّمونه ويحلِّونَ ما حرَّم الله فتستحلونه- فقلت: بلى- قالَ: فتلك عبادتهم» [1] فحصلَ من مجموعِ أقوالِ اليهودِ والنَّصارى أنَّهم جعلوا لبعضِ أحبارِهم ورهبانِهم مرتبةَ الربوبيِّة في اعتقادِهم فكانت الشناعة لازمة للأمتينِ ولو كانَ من بينهم من لم يقل بمقالِهم كما زعم عديُّ بن حاتم فإنِّ الأمَّة تؤاخذُ بما يصدر من أفرادِها إذا أقرَّته ولم تنكره، ومعنى اتِّخاذهم أربابًا من دونِ اللهِ أنَّهم اتِّخذوهم أربابًا دونَ أن يفردوا اللهَ بالوحدانيِّة، وتخصيصُ المسيح بالذكرِ لأنَّ تأليه النَّصارى إيّاه أشنعُ وأشهر] [2] .
قالَ تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [3] .
يتشدقُّ بعضُ النَّصارى بهذه الشبهة ويلبِّسون بها على بعضِ المسلمين , وهي أنَّ عيسى عليه السلامُ أفضلُ من نبيِّنا ونبي النَّاس أجمعين محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه , وزعموا أنَّ التفضيلَ سببه زواجُ نبيِّنا بينما عيسى لم يتزوج زهدًا في النَّساء وفي متاع الدنيا , وعلى هذه القاعدة الفاسدة يكون عيسى أفضل من إبراهيمَ ونوحٍ وآدمَ , وهذا مخالفٌ لما جاءَ في السنّة الصحيحة التي بيَّنت لنا أنَّ خيرَ النَّاسِ محمدٌ
(1) الطبراني ,سليمان بن أحمد بن أيوب أبي القاسم الطبراني , المعجم الكبير , 17/ 92 حديث رقم 218.
(2) ابن عاشور , مرجع سابق , 10/ 170.
(3) سورة الرعد , الآية: 38.