فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 129

المبحث الرابع عشر: إبطالُ حُجَّة اليهودِ والنَّصارى بأنَّ الإسلامَ زائدٌ عن مِلَّةَ إبراهيم.

قالَ ابنُ عاشورٍ: [وقوله: {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} يُبطِلُ قولهم: إنَّ الإسلامَ زادَ على دينِ إبراهيمَ، ولا يدلُ على أنَّهم على دينِ إبراهيمَ لأنَّ التوراةَ والإنجيلَ لم يردْ فيهما التصريحُ بذلكَ، وهذا هوَ الفارقُ بينَ انتسابِ الإسلامِ إلى إبراهيمَ وانتسابِ اليهوديِّةِ والنَّصرانيِّةِ إليه، فلا يقولونَ وكيفَ يدَّعي أنَّ الإسلامَ دينُ إبراهيمَ مع أنَّ القرآنَ أُنزِلَ من بعدِ إبراهيمَ كما أُنزِلت التوراةُ والإنجيلُ من بعده. وقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} يدلُّ على أنَّ اللهَ أنبأ في القرآنِ بأنَّه أرسلَ محمدًا بالإسلامِ دينِ إبراهيمَ وهوَ أعلمُ منكُم بذلكَ، ولم يسبقْ أن امتنَّ عليكم بمثلِ ذلكَ في التوراةِ والإنجيلِ فأنتم لا تعلمونَ ذلكَ، فلمَّا جاءَ الإسلامُ وأنبأ بذلكَ أردتم أن تنتحِلوا هذهِ المزيِّة، واستيقظتُم لذلكَ حسدًا على هذهِ النعمة، فنَهَضت الحُجَّةُ عليهم، ولم يبق لهم معذرة في أن يقولوا: إنَّ مجيءَ التوراةِ والإنجيلِ من بعدِ إبراهيمَ مُشترك الإلزامِ لنا ولكم , فإنَّ القرآنَ أُنزِلَ بعدَ إبراهيمَ، ولولا انتظامُ الدليلِ على الوجهِ الذي ذكرنا لكان مشترك الإلزام. والاستفهامُ في قولهِ: {فَلِمَ تُحَاجُّونَ} مقصودٌ منه التنبيهُ على الغلطِ. وقد أعرضَ في هذا الاحتجاجِ عليهم عن إبطالِ المنافاةِ بينَ الزيادةِ الواقعةِ في الدينِ الذي جاءَ به محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم على الدينِ الذي جاءَ بهِ إبراهيمُ، وبينَ وصف الإسلامِ بأنَّه ملَّةَ إبراهيم , لأنَّهم لم يكن لهم من صحَّةِ النَّظرِ ما يفرِّقونَ بهِ بينَ زيادةِ الفروعِ، واتِّحادِ الأصولِ] اهـ [1] .

أضافَ القرطبيُّ: أنَّ اللهَ تعالى قد نعتَ لأهلِ الكتابِ محمّدًا صلَّى الله عليه وسلّم في كتبهم , فهم يحاجّونه في الباطلِ , فقالَ رحمه الله: [قوله تعالى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ} يعني في أمرِ محمدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنَّهم كانوا يَعلَمونهُ فيما يجدونَ من نعتهِ في كتابِهم فحاجَّوا فيه بالباطل. {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} يعني دعواهُم في إبراهيمَ أنَّه كانَ يهوديًا أو نصرانيًا ... في الآيةِ دليلٌ على المنعِ من الجدالِ لمن لا علمَ له، والحظرُ على من لا تحقيقَ عنده ... ] اهـ [2] .

(1) ابن عاشور , مرجع سابق , 3/ 272 - 273.

(2) القرطبي , مرجع سابق , 4/ 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت