لا مُستندَ لكم في علمِكُم بأمورِ الدينِ إلا التوراةَ والإنجيلَ، وهما قد نزلا من بعدِ إبراهيم، فمن أينَ يُعلم ما كانت شريعةُ إبراهيم حتى يُعلَمَ المزيدُ عليها، وذكرُ التوراة على هذا لأنَّها أصلُ الإنجيلِ , ويكونُ على حسبِ الروايةِ الثانيةِ نفيًا لدعوى كلِّ فريقٍ منهما أنَّه على دينِ إبراهيم، بأنَّ دينَ اليهودِ هوَ التوراة، ودينُ النَّصارى هو الإنجيلُ، وكلاهما نزلَ بعدَ إبراهيمَ، فكيفَ يكونُ شريعةً له] اهـ [1] .
وقد بيَّن الإمامُ القرطبيُّ -رحمه الله- أنَّ الله تعالى أكذب َ اليهودَ والنَّصارى بادِّعائِهم أنَّهم على دينِ إبراهيمَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ , ونقلَ عن الزَّجَّاجِ قوله أنَّ هذهِ الآيةَ أبين حُجَّة عليهم , فقالَ رحمه الله: [وهذهِ الآية نزلتْ بسببِ دعوى كل فريقٍ من اليهودِ والنَّصارى أنَّ إبراهيمَ كانَ على دينهِ، فأكذَبهُم الله تعالى بأنَّ اليهوديَّةَ والنَّصرانيَّةَ إنَّما كانتا من بعدهِ، فذلكَ قولهُ: {وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} قالَ الزَّجَّاجُ: [هذهِ الآيةُ أبين حُجَّة على اليهودِ والنَّصارى، إذ التوراةُ والإنجيلُ أُنِزلا من بعدهِ وليسَ فيهما اسمٌ لواحدٍ من الأديانِ، واسمُ الإسلامِ في كلِّ كتاب] .ويقالُ: كانَ بينَ إبراهيمَ وموسى ألفَ سنةٍ، وبينَ موسى وعيسى أيضًا ألفَ سنةٍ. {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} دحوضَ حُجَّتِكُم وبطلانَ قولِكم. والله أعلم] اهـ [2] .
قال تعالى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [3] .
(1) ابن عاشور , مرجع سابق , 3/ 270 - 273.
(2) القرطبي , مرجع سابق , 4/ 75.
(3) سورة آل عمران , الآية: 66