فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 129

قالَ ابنُ عاشورٍ: [استئنافٌ ابتدائيٌّ بخطابٍ موجَّهٍ إلى النَّصارى خاصَّة , وخوطِبوا بعنوانِ أهلِ الكتابِ تعريضًا بأنَّهم خالفوا كتابَهم , وقرينةُ أنَّهم المرادُ هي قوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ} إلى قوله: { ... أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ... } فإنَّه بيانٌ للمرادِ من إجمالِ قوله: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} وابتدأت موعِظَتهم بالنَّهيِّ عن الغلوِّ لأنَّ النَّصارى غلوا في تعظيمِ عيسى فادَّعوا له بنوّة الله، وجعلوه ثالثَ الآلهة والغلو في الدينِ أن يُظهِرَ المتديِّنُ ما يفوِّتُ الحدَّ الذي حدَّدَ له الدين , ونهاهم عن الغلوِّ لأنَّه أصلٌ لكثيرٍ من ضلالهم وتكذيبِهم للرسلِ الصادقين , وغلوِّ أهلِ الكتابِ تجاوزهم الحدَّ الذي طلبه دينهم منهم .... والنَّصارى طولِبوا باتَّباعِ المسيح فتجاوزوا فيه الحدَّ إلى دعوى إلهيِّتهِ أو كونه ابنُ الله، مع الكفرِ بمحمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ... وقوله: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} جملةٌ مُبيِّنةٌ للحدِّ الذي كانَ الغلوُّ عنده، فإنَّه مجملٌ ومبينة للمرادِ من قول الحقِّ , ولكونها تنزَّل من التي قبلها منزلةَ البيانِ فُصِلَت عنها , وقد أفادت الجُملةُ قصرَ المسيحِ على صفاتٍ ثلاثٍ: صفةُ الرسالةِ، وصفةُ كونهِ كلمةُ اللهِ أُلقيت إلى مريمَ، وصفةُ كونهِ روحًا من عند الله , فالقصر قصر موصوفٍ على صفةٍ , والقصدُ من هذا القصر إبطالُ ما أحدثه غلوّهم في هذه الصفاتِ غلوًا أخرجها عن كُنهها فإنَّ هذهِ الصفات ثابتةٌ لعيسى، وهم مُثبتونَ لها فلا يُنكرُ عليهم وصفُ عيسى بها، لكنَّهم تجاوزوا الحدَّ المحدودَ لها فجعلوا الرسالةَ البنوّة، وجعلوا الكلمةَ اتحادّ حقيقة الإلهيِّة بعيسى في بطنِ مريمَ فجعلوا عيسى ابنًا لله ومريمَ صاحبةٌ لله- سبحانه-، وجعلوا معنى الروح على ما به تكوّنت حقيقة المسيحِ في بطنِ مريمَ من نفس الإلهيِّة ...

ومعنى {أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} أوصلها إلى مريم، وروعيَ في الضميرِ تأنيثُ لفظِ الكلمة، وإلا فإنَّ المرادَ منها عيسى، أو أرادَ كلمة أمر التكوين , ووصف عيسى بأنَّه روح الله وصفٌ وقعَ في الأناجيل , وقد أقرَّه الله هنا، فهوَ ممَّا نزلَ حقًا , ومعنى كونُ عيسى روحًا من اللهِ , أنَّ روحَهُ من الأرواحِ التي هيَ عناصرُ الحياةِ، لكنَّها نُسِبت إلى الله لأنهَّا وصلت إلى مريمَ بدونِ تكوُّنٍ في نطفةٍ فبهذا امتازَ عن بقية الأرواحِ , ووصف بأنَّه مبتدأ من جانب الله ... والعربُ تسمَّي النفسَ روحًا والنفخَ روحًا , قالَ ذو الرمِّة يذكرُ لرفيقهِ أن يوقدَ نارًا بحطبٍ:

فَقُلْتُ لَهُ ارْفَعْهَا إِلَيْكَ فَأَحْيِهَا ... بِرُوحِكَ وَاقْتُتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت