فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 129

ولأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ... ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

يريدُ تقديرَ الأديمِ قبلَ قطعهِ , والقطعُ هو الفري، ويستعملُ مجازًا مشهورًا أو مشتركًا في الإنشاءِ، والإبداعِ على غيرِ مثالٍ ولا احتذاء، وفي الإنشاءِ على مثالٍ يبدعُ ويقدِّر، قالَ تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ... } [1] , فهوَ إبداعُ الشيءِ وإبرازهُ للوجودِ , والخلقُ هنا مستعملٌ في حقيقتهِ أي: أقدِّر لكم من الطينِ كهيئةِ الطيرِ، وليسَ المرادُ بهِ خلقَ الحيوانِ، بدليلِ قولهِ: {فَأَنْفُخُ فِيهِ} ].

وقالَ: [وزادَ قولهُ: {بِإِذْنِ اللَّهِ} لإظهارِ العبودية، ونفي توهُمِ المشُاركةِ في خلقِ الكائنات] .

ثم ختمَ تفسيرَ هذهِ الآيةِ ببيانِ أنَّ هذهِ المعجزاتِ هيَ تأييدٌ من ربِّ العالمينَ ولا تدلُّ من قريبٍ ولا من بعيدٍ على أنَّ عيسى مستحقٌ للإلوهيِّةِ , فقالَ: [وقولهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} جعلَ هذهِ الأشياءَ كلَّها آياتٌ تدعو إلى الإيمانِ بهِ، أي إن كنتم تريدونَ الإيمانَ، بخلافِ ما إذا كانَ دأبُكم المكابرة. والخطابُ موَّجهٌ منهُ إلى بني إسرائيلَ , فإنَّهم بادروا دعوتَهُ بالتكذيبِ والشتمِ. وتعرُّضِ القرآنُ لذكرِ هذهِ المعجزات تعريضٌ بالنَّصارى الذينَ جعلوا منها دليلًا على ألوهيِّةِ عيسى، بعلّةِ أنَّ هذهِ الأعمالَ لا تدخل تحتَ مقدرةِ البشرِ، فمن قدرَ عليها فهوَ الإله، وهذا دليلٌ سفسطائيٌ[2] أشارَ اللهُ إلى كشفهِ بقولهِ: {بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} ... وقوله: {بِإِذْنِ اللَّهِ} مرتين. وقد روى أهلُ السيرِ أنَّ نصارى نجران استدلوا بهذهِ الأعمالِ لدى النبيِّ صلى الله عليه وسلم]اهـ [3] .

وقد جاءَ عند القرطبيُّ أنَّ معنى الخلق في هذهِ الآية هو التصويرُ والتقديرُ فقال: [أي أصوِّرُ وأقدِّرُ لكم] [4] .

(1) سورة الأعراف , من الآية: 11

(2) أصل هذا اللفظ في اليونانية (سوفيسما) وهو مشتق من لفظ (سوفوس) و معناه الحكيم و الحاذق. و السفسطة عند الفلاسفة هي الحكمة المموهة، و عند المنطقيين هي القياس المركب من الوهميات. و قيل أيضا: أن السفسطة قياس ظاهره الحق و باطنه الباطل، و يقصد به خداع الآخرين، أو خداع النفس. المعجم الفلسفي،1/ 659.

(3) ابن عاشور , مرجع سابق , 3/ 250 - 251.

(4) القرطبي , مرجع سابق , 4/ 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت