فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 129

الفعلي في قوله: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} يدلُّ على أنَّ الاستفهامَ متوجهٌ إلى تخصيصهِ بالخبرِ دونَ غيرهِ مع أنَّ الخبرَ حاصلٌ لا محالة. فقول قائلين: اتخذوا عيسى وأمه إلهين، واقع. وإنمَّا أُلقيَ الاستفهامُ لعيسى أهوَ الذي قالَ لهم ذلك تعريضًا بالإرهابِ والوعيدِ بتوجه عقوبة ذلك إلى من قال هذا القول إن تنصلَ منه عيسى فيعلُم أحبارُهم الذين اخترعوا هذا القولَ أنَّهم المرادُ بذلك. والمعنى أنَّه إن لم يكن هو قائلٌ ذلك فلا عذرَ لمن قاله لأنَّهم زعموا أنَّهم يتَّبعونَ أقوالَ عيسى وتعاليمه، فلو كانَ هو القائلُ لقال: اتخذوني وأمي، ولذلك جاءَ التعبيرُ بهذين اللفظين في الآية. والمرادُ بالنَّاس أهلَ دينه ... وجوابُ عيسى- عليه السلام- بقوله: {سُبْحَانَكَ} تنزيهٌ لله تعالى عن مضمون تلك المقالة. وكانت المبادرة بتنزيه الله تعالى أهم من تبرئتهِ نفسه، على أنهَّا مقدمة للتبرَّي لأنَّه إذا كان ينزِّهُ الله عن ذلك فلا جرمَ أنَّه لا يأمر به أحدا .... وبرأ نفسه فقالَ: {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} فجملة ما يكونُ لي أن أقولَ مستأنفة لأنَّها جواب السؤال. وجملة {سُبْحَانَكَ} تمهيد. وقوله: {مَا يَكُونُ لِي} ... مبالغة في التبرئة من ذلك، أي ما يوجد لديَّ قول ما ليسَ لي بحقِّ، فاللام في قوله: {مَا يَكُونُ لِي} للاستحقاق، أي ما يوجدُ حقٌّ أن أقول. وذلكَ أبلغ من لم أقله لأنَّه نفى أن يوجدَ استحقاقَه ذلكَ القول .... ثمَّ ارتقى في التبريّ فقال: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} فالجملةُ مستأنفة لأنَّها دليلٌ وحجة لمضمونِ الجملة التي قبلها، فكانت كالبيانِ فلذلك فصلت .... فاستدلَّ على انتفاءِ أن يقوله بأنَّ اللهَ يعلمُ أنَّه لم يقله، وذلك لأنَّه يتحقق أنَّه لم يقله، فلذلكَ أحالَ على علمِ الله تعالى. وهذا كقول ِالعربِ: يعلمُ الله أنَّي لم أفعل، كما قال الحارث بن عباد:

لَمْ أكن من جُنَاتِهَا عَلِمَ ... اللَّهُ وَأَنِّي لِحَرِّهَا الْيَوْمَ صَالِ

وبعد أن تبرأ من أن يكونَ أمرَ أمته بما اختلقوهُ انتقل فبيَّن أنَّه أمرَهم بعكسِ ذلكَ حسبما أمرهُ الله تعالى فقالَ {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} فقوله: {مَا قُلْتُ لَهُمْ} ارتقاءٌ في الجواب، فهو استئنافٌ بمنزلة الجوابِ الأولِ وهوَ {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ} إلخ ... صرَّحَ هنا بما قاله لأنَّ الاستفهامَ عن مقاله .... ثمَّ تبرأ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت