يُخبِرُنا الله سبحانه وتعالى أنَّ الرُسلَ الذينَ أرسلَهم لا يدعونَ النَّاس لعِبادَتِهم , ولكن يدعونهم كي يكونوا عبادًا لله وحدهُ لا شريكَ له , وفي هذا تكذيبٌ للنَّصارى ومن نحا نحوهم وادَّعى بادِّعائهم بأنَّ عيسى أمرَهم بأن يتخذوه إله.
قالَ ابنُ عاشورٍ: [اعتراضٌ واستطرادٌ , فإنَّه لمَّا ذُكِرَ ليُّ اليهودِ ألسنتَهم بالتوراةِ، وهوَ ضربٌ من التحريفِ، استطردَ بذكرِ التَّحريفِ الذي عندَ النَّصارى لمناسبةِ التشابهِ في التَّحريفِ إذ تقولُ النَّصارى على المسيحِ أنَّه أمرَهم بعبادتِه. فالمرادُ بالبشرِ عيسى عليهِ السلامُ، والمقصودُ تنزيهُ عيسى عن أن يكونَ قالَ ذلكَ، ردًَّا على النَّصارى، فيكونُ رجوعًا إلى الغرضِ الذي في قولهِ: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا ... } إلى قوله ... {فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [1] .
وقالَ رحمه الله: [وقوله: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} قيدٌ قُصِدَ منه تشَّنيعُ القول بأن يكونوا عبادًا للقائلِ بأنَّ ذلكَ يقتضي أنَّهم انسلخوا عن العبودية للهِ تعالى إلى عبودية البشرِ، لأنَّ حقيقةَ العبودية لا تقبل التجزئةَ لمعبوديَنِ، فإنَّ النَّصارى لمَّا جعلوا عيسى ربًا لهم، وجعلوه ابنًا لله، قد لزِمَهُم أنَّهم انخلعوا عن عبودية اللهِ فلا جدوى لقولِهم: نحنُ [عبد] الله [2] وعبيدُ عيسى، فلذلكَ جُعِلَتْ مقالتُهم مُقتضية أنَّ عيسى أمرَهم بأن يكونوا عبادًا له دونَ اللهِ، والمعنى أنَّ الآمرَ بأن يكونَ النَّاسُ عبادًا له هوَ آمرٌ بانصرافِهم عن عبادةِ الله. {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} أي ولكن يقولُ كونوا ربَّانييِّنَ , أي كونوا منسوبينَ للربِّ، وهوَ اللهُ تعالى، لأنَّ النَّسبَ إلى الشيء إنَّما يكونُ لمزيدِ اختصاص المنسوبِ بالمنسوبِ إليهِ. ومعنى ذلكَ أن يكونوا مُخلصينَ للهِ دونَ غيرهِ] [3] .
كما جاءَ قولُ القُرطبي موافقًا لما جاءَ به ابن عاشورٍ حيثُ قال رحمه الله:[يعني ما ينبغي , والبشرُ يقعُ للواحدِ والجمعِ لأنَّه بمنزلةِ المصدرِ، والمرادُ بهِ هُنا عيسى في قولِ الضحَّاكِ والسُّديّ ... وهذهِ الآية قيلَ إنَّها
(1) ابن عاشور , مرجع سابق , 3/ 293.
(2) كذا في الكتاب , ولعلَّ الصحيحُ [نحن عبيد الله] .
(3) ابن عاشور , مرجع سابق , 3/ 294 - 295.