صلى الله عليه وسلم كان من أسلم من كل طبقة منهم غريبًا في حيه، غريبًا في قبيلته، مستخفيًا بإسلامه، قد جفاه الأهل والعشيرة، فهو بينهم ذليل حقير، محتمل للجفاء، صابر على الأذى، حتى أعز الله عز وجل الإسلام، وكثر أنصاره وعلا أهل الحق، وانقمع أهل الباطل، فكان الإسلام في ابتدائه غريبًا بهذا المعنى، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( وسيعود غريبًا ) )معناه والله أعلم: أن الأهواء المضلة تكثر فيضل بها كثير من الناس ويبقى أهل الحق الذين هم على شريعة الإسلام غرباء في الناس لقلتهم"أهـ. الغرباء ص10، وقال الطحاوي في مشكل الآثار بعد أن ساق بعض روايات الحديث:"فتأملنا هذه الآثار، فوجدنا الإسلام دخل على أشياء ليست من أشكاله فكان بذلك معها غريبا لا يعرف، كما يقال لمن نزل على قوم لايعرفونه: إنه غريب بينهم، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يعود كذلك، فيكون من نزع عن ما عليه الخلة المذمومة إلى ما كانت عليه الخلة المحمودة غريبا بينهم"مشكل الآثار:2/ 192."
ولو قرأنا في كتب السير والتأريخ نجد أن كيفية بداية الإسلام وماهية غربته لم تكن في الصلاة بتاتًا إذ أن الصلاة لم تفرض على الأمة إلا ليلة عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء في السنة العاشرة من البعثة على أختيار بعض أهل السير، ولم تكن بداية الإسلام وغربته في الجهاد - القتال - الذي لم يأذن الله سبحانه وتعالى به إلا بعد هجرة نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، فضلًا عن أن تكون الغربة الأولى في طول اللحية أو قصر الثوب، أو في الصدق والأمانة وغيرها من مكارم الأخلاق ومحاسنها التي لا يخفى على أحد أن كفار قريش خاصة والمشركين العرب عامة كانوا يتنافسون فيها، مثل الكرم والجود وإقراء الضيف ونصرة المظلوم وإعانة الضعيف، بل لا يزال بعضهم يُضرب به المثل في بعض تلك الخصال الحميدة إلى يومنا هذا، رغم موت بعضهم على الشرك والكفر قبل البعثة، مثل حاتم الطائي وعبدالله بن جدعان وغيرهم.
وكانوا كذلك يغيرون على بعضهم البعض ويقاتلون بعضهم البعض، إما لنزعات جاهلية أحيانًا، وإما حرصًا وحفاظًا على أعراضهم أحيانًا أخرى، فالغيرة على الأعراض، والقتال دونها كان أمرًا معروفًا في الجاهلية الأولى، ومطلبًا فطريًا لا تقوم رجولة أحدهم ولا مروءته إلا به، حتى بلغت الغيرة ببعضهم على عرضه أن يئد ابنته حيةً خشية أن تقع في سبي العدو.
ولسنا نطري على هذا الفعل الجاهلي المقيت بحال، وإنما المقصود هو الإشارة إلى غيرة أولئك القوم على أعراضهم رغم شركهم وكفرهم، وقياسها على دياثة بعض أهل هذا الزمان على أعراضهم خاصة، وأعراض الأمة عامة رغم انتسابهم للإسلام، وزعمهم الاقتداء برسول