فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 99

وإن كانت الغربة التي نتكلم عنها عامة في أهل التوحيد في كل مكان، إلا أنني قصدت بقولي غرباء الدين والدنيا إخواننا المجاهدين في بلاد الرافدين من مهاجرين وأنصار تحديدًا، لشدة الغربة التي يعيشونها هناك.

أما المهاجرون فهم غرباء الدين والدنيا بكل ما يحمله هذا الوصف من معنى، قال الإمام النووي:"قال القاضي: وظاهر الحديث العموم وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة ثم انتشر وظهر ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضا كما بدأ، وجاء في الحديث تفسير"الغرباء"وهم النزاع من القبائل، قال الهروي: أراد بذلك المهاجرين الذين هجروا أوطانهم إلى الله تعالى"أهـ. مسلم شرح النووي:/270.

فبعد أن كان المهاجرون غرباء بين أهليهم وفي أوطانهم - وهذه الغربة تتضمن غربة الدين دون غربة الدنيا أو إن شئت قلت غربة الوطن - كان لزامًا عليهم إذ أرادوا دفع غربتهم أن يهاجروا ويجاهدوا، وهذان هما الوسيلتان الوحيدتان لدفع غربة الدين كما أسلفنا، ولكنهم ازدادوا بهجرتهم غربة الدنيا على غربة الدين - وأنا أتكلم هنا عن زمن كان الجهاد في بداياته في بلاد الرافدين قبل قيام دولة العراق الإسلامية أدام الله بقاءها - حتى كان الواحد منهم يجلس في مجموعة من المجاميع مع إخوانه الشهر والشهرين والثلاثة وربما العام، وقد يفدي إخوانه بروحه، وينصب صدره درعًا يقي به إخوانه من وابل الرصاص والقصف، فيقضي عندها نحبه وهم لا يعرفون عنه شيئًا إلا كنيته الوهمية، وكذلك هو فإنه لا يعرف عنهم إلا كناهم الوهمية، وإذا كان عند الواحد منهم بعض الزهد في موضوع التورية أو ما يسمى ب"الأمنيات"فربما يصرح لبعض إخوانه بموطنه الأصلي، فقل لي بالله عليك أي غربة بعد هذه الغربة، وأي مرارة بعد هذه المرارة التي يكون الحنظل عسلًا إذا ما قسته بها، فإلى الله وحده المشتكي، وهو وحده المستعان، ولا على أحد غيره التكلان.

وأما إخواننا الأنصار، وما أدراك ما الأنصار، إذا رأيت كرمهم قلت ليس بعد هذا الكرم من كرم، وإذا رأيت جودهم ظننت أنها أقصى غاية الجود، وإذا رأيت إيثارهم أشفقت عليهم لفرطه عندهم، فما أحبهم لإخوانهم المهاجرين، وما أحنهم عليهم، مع أنهم يعيشون غربة الدين دون غربة الدنيا، وقد يعيش بعضهم الغربتين جميعًا.

فلقد حدثني بعض من التقيت به أنه لم ير أهله منذ أكثر من ستة أشهر، ولا يستطيع أن يدخل قريته أو مدينته ليتحقق له ذلك، فعيون الخونة والعملاء من عشيرته وجيرانه تتربص به الدوائر، وما أظن أنني أبالغ لو قلت أن مثل هذا يجد من مرارة الغربة ما لا يجده بعض المهاجرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت