وإذا الليل خضم موحش ... تتلاقى فيه أمواج العذاب ...
لم يعد يبرق في ليلي سنا ... قد توارت كل أنوار الشهاب ...
غير أني سوف أمضي مثلما ... كنت تلقاني في وجه الصعاب ...
سوف يمضي الرأس مرفوعًا فلا ... يرتضي ضعفًا بقول أو جواب ...
سوف تحدوني دماء عابقات ... قد أنارت كل فج للذهاب
وفي ليلة من الليالي تناقشت معه في مسألة الجمع في الصلاة للمهاجرين من المجاهدين، ولقد أعجبتني سرعة استحضاره للأدلة التي يحتاجها في استشهاداته، والذي أعجبني أكثر، هدوئه وتواضعه وخلقه الرفيع في الحوار، إذ أنه رحمه الله لم يكن يتلفظ ببنت شفة حتى أنتهي من كلامي مهما بلغتُ فيه من الإستطراد.
ولقد قتل رحمه الله برصاصة قناص صليبي غادرة في الساعات الأولى مساء اليوم الأول من أيام المعركة، مخترقةً رأسه الشامخ وهو في ذروة استئساده في مقارعة عباد الصليب، ولقد روى لي قصة مقتله أحد الإخوة من أهل المدينة الذي آوى أبا عبدالله بعد تحرفه لقتال أعداء الله عند دخلوهم المدينة.
فقال:"لقد التقيت بأبي عبدالله في سوق المدينة عندما كنت ذاهبًا إلى بيتي فسلمت عليه وتحدثت معه قليلًا ثم دعوته للذهاب معي إلى بيتي فرد الدعوة في بداية الأمر ثم قبلها بعدما أخبرته بأن البيت لا يوجد فيه غيري لأن الأهل قد لجأوا إلى القرية المجاورة وإنني قد بقيت لوحدي لكي أحرس البيت من سرقة وتخريب الجيش والمنافقين، وبعد دخولنا البيت بساعة أو ساعتين، سمعنا صوت ضجيج الآليات العسكرية وهي تدخل الحي الذي كنا فيه، فقال أبو عبدالله:"يجب أن أخرج من هنا"، فقلت له: لا بل ابق في البيت فأنت هنا إن شاء الله في مأمن من الطيران والقناصة، فقال أبو عبدالله:"بارك الله فيك يا أخي ولكنك تعلم أن أعداء الله سيبدأون بتفتيش البيوت عن قريب، وأخشى أن يعلموا بوجودي في بيتك فيقومون عندها بقصفه كعادتهم"، فأصررت على بقائه عندي ولكن إصرار أبي عبدالله كان أكبر، ولما توجه أبو عبدالله إلى بوابة البيت الأمامية سمع صوت الجنود وهم يقتحمون البيت المجاور فتوجه عندها إلى سور المنزل الخلفي، ثم قفز عنه والتف من وراءه ليصل إلى الشارع الأمامي ثم اختبأ في مكان ينتظر فيه خروج الجنود من البيت الذي اقتحموه، وكانت في يده قنبلة يدوية قد سحب منها مسمار الأمان ليباغت بها العلوج عند خروجهم من البيت، وبالفعل، فلما خرج العلوج من ذلك البيت وتأكد أبو عبدالله من أن جميع الجنود الذين دخلوه قد خرجوا منه ولم يبق أحد منهم في داخله، قذف بساعده المبارك قنبلته في وسطهم"