لهم بالمرصاد، إذ فاجأوهم برمي كثيف فقتلوا منهم عشرة علوج آخرين، ثم فر من تبقى منهم إلى الشارع وتحصنوا في همراتهم، وكعادتهم، فقد استنجد الجبناء بالطائرات، وصعد عدد منهم إلى خزان الماء الذي يخدم القرية وكان الخزان لا يبعد عن المضافة سوى بضعة عشرات من الأمتار، وكان ارتفاعه عالٍ جدًا، مما سهل عليهم عملية المراقبة والقنص، وأما المجاهدون فقد قسموا أنفسهم إلى قسمين، قسم منهم بقي داخل المضافة ليتصدوا للصليبيين إذا حاولوا دخول المضافة وكان عددهم ثلاثة، وهم أبو عمر اللبناني وأبو علي المدني وأبو محمد الكندي - للأسف الشديد فإنني لن أكتب عن أبي عمر، لأنني لم أتشرف بلقائه ألبتة فأنا لا أعرف عنه أي شيء، وأما أبو علي وأبو محمد فإنني سأكتب عنهم بعد أبي حيدرة إن شاء الله تعالى -، وقسم انحاز إلى منزل مجاور للمضافة وكان ذلك المنزل قيد الإنشاء فلم يكن سقفه قد بني بعد مما تسبب في تقييد حركة الإخوة فيه، وكان عدد الإخوة الذين انحازوا إلى ذلك البيت تسعة، وكان أبو حيدرة واحدًا منهم، وما هي إلا لحظات حتى كشف القناصة الذين كانوا على خزان الماء موقع الإخوة، فبدأوا يطلقون النار عليهم، ولكن الإخوة لم يقفوا مكتوفي الأيدي بل ردوا عليهم بقوة، وخلال الإشتباك أصيب أبو حيدرة برصاصة في كتفه الأيمن، وبعد لحظات توقف إطلاق النار من كلا الطرفين وعلم الإخوة لما هدأ الجو أن أبا حيدرة قد أصيب، فحزن الإخوة لعجزهم عن إسعافه، فالتفت إليهم أبو حيدرة وكان قد أسند ظهره إلى الحائط وقال:"أيها الإخوة والله إننا اليوم في عزة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى"، ثم مد يده اليسرى إلى كتفه الأيمن ومسح بأصابعه على الجرح ثم قَبَّلَ الدم على أصابعه وقال:"الله أكبر، هذه هي العزة يا إخوتي، وهذه هي الكرامة".
الله أكبر، لقد قلت والذي نفسي بيده يا شيخنا كما قال جدك حرام بن ملحان رضي الله عنه من قبل"فزت ورب الكعبة"، فعن ثمامة بن عبد الله بن أنس أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: لما طعن حرام بن ملحان وكان خاله يوم بئر معونة قال بالدم هكذا فنضحه على وجهه ورأسه ثم قال: فزت ورب الكعبة"البخاري:4092."
ثم قال للإخوة:"يجب أن تنزلوا إلى الخندق في أسرع وقت لأن توقفهم عن إطلاق النار يدل على استعانتهم بالطيران"، وكان الإخوة قد حفروا خندقًا ليخبئوا فيه كتب اللجنة الشرعية وأجهزة اللجنة الإعلامية، فقال له الإخوة:"إنزل أنت أولًا وسنغطي عليك ثم نتبعك واحدًا تلو الآخر"، فقال:"لا والله لن أبرح مكاني حتى تنزلوا جميعكم"، ثم بدأ الإخوة بالنزول إلى الخندق وأبو حيدرة يشغل عباد الصليب بلظى نيرانه، وما أن نزل أخر واحد من الإخوة حتى جاء الطيران الجبان فقصف بيت المضافة وقصف البيت الذي كان فيه أبو حيدرة فتناثرت أشلائه بين حطام القصف، وقضى هناك نحبه شامخ الرأس، عزيز النفس، مقبلًا فَرِحًا غير مدبرٍ جزع: