قيل: نعم، وليس كونه من فروض الكفايات أو مندوبًا دليلًا على أنه لا يشرع إلا بإمام وإلا لزمكم ذلك في جميع فروض الكفايات والمندوبات.
وقولكم: بخلاف غيره فإنه فرض عين. يقال في جوابه: والجهاد يصير فرض عين في بعض الصور بالكتاب والسنة والإجماع كما هو حكمه في زماننا، فلم قلتم لا يجوز جهاد الدفع اليوم لعدم الإمام؟!
وأيضًا فقولكم: بخلاف غيره فإنه فرض عين لا يسلم، بل من أنواع الجهاد المذكورة ما هو فرض عين، كجهاد الشيطان بعصيانه ومخالفته واتخاذه عدوًا والاستعاذة بالله منه والحذر من خديعته ومكره، وكجهاد النفس والهوى بتطويعها لله تعالى وتعويدها الصبر على طاعته واجتناب معصيته، ومنه ما هو من فروض الكفايات كالجهاد بالعلم وتبليغه ونشره، وكالجهاد بإنفاق المال في سبيل الله يجب على الغني دون الفقير الذي لا مال له.
فإن قيل: الأدلة على وجوب الإمام من الكتاب والسنة أشهر من أن تذكر.
قيل في جوابه: سلمنا، لكن وجوب تنصيبه شيء وكونه شرطًا لصحة الجهاد شيء آخر، وإنما ننازعكم في الثاني لا الأول، فههنا واجبان: تنصيب الإمام، والجهاد في سبيل الله معه، فإن لم يكن الإمام أو عجز المسلمون عنه لم يسقط فرض الجهاد، كما لو عدم إمام الجمعة والجماعة صلى ظهرا ولم تسقط الصلاة عنه، وهكذا الشأن في جميع التكاليف الشرعية إذا عجز المكلف عن الأعلى لم يسقط عنه التكليف بالكلية بل ينتقل إلى الأدنى، وهذا معنى قولهم: الميسور لا يسقط بالمعسور، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ... الآية، فأمره أن يباشر القتال بنفسه ومن نكل فلا عليه منه، ودعوى أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم خلاف الأصل، والقاعدة المقررة في الباب أن الله تعالى إذا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بلفظ لا تخصيص فيه أو أثبت في حقه حكمًا أن أمته يشاركونه في ذلك الحكم ما لم يقم على اختصاصه به دليل [1] ، قال الزجاج: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده لأنه قد ضمن له النصر، قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ، إلا أنه لم يجيء في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة، والمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وفي المعنى له ولأمته، أي: أنت يا محمد وكل واحد من أمتك يقال له: فقاتل في سبيل الله لا تكلف غير نفسك ولا تلزم فعل غيرك، وهو استئناف مقررٌ لما قبله، لأن اختصاص تكليفه لفعل نفسه من موجبات مباشرته للقتال وحده [2] .
ويؤيد هذا ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي اسحق قال: سألت البراء بن عازب - رضي الله عنهم - عن الرجل يلقى مئة من العدو فيقاتل، أيكون ممن يقول الله: وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ قال: قد قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ، ورواه الإمام أحمد أيضا [3] . وروى ابن مردويه
(1) نزهة الخاطر لابن بدران (2/ 100)
(2) فتح البيان في مقاصد القرآن (2/ 119)
(3) قال في الفتح الرباني (14/ 8) : رواه أحمد الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.