اعلم -علمني الله وإياك- أن الله تبارك وتعالى جعل الدنيا مزرعة للآخرة، وجعل عباده سكانا لهذه الدار فأعمرهم إياها، وأعلمهم أنهم لها مفارقون وعنها راحلون إلى دار باقية لا يحولون عنها ولا يزولون، وأرشدهم في محكم شريعته إلى أن التزود من الأولى إلى الآخرة قائم على ركنيين ركينين وأصلين ثابتين:
الأول: ما أنزله لهم من الوحيين الشريفين وما بين فيهما من العقائد والأحكام والعبادات والمعاملات مما في الأخذ به سعادة الدارين والفوز بإحدى الحسنيين.
والثاني: ما أودعه الله تبارك وتعالى في هذا الكون من المنافع والأسرار والحكم مما تنبئ به صفحة الكون المعمور، وتدل عليه آيات الكتاب المسطور.
والدليل من الكتاب والسنة على الأول أشهر من أن يذكر، وأبين من أن يعرف وأظهر، ومن المشكلات توضيح الواضحات. وأما الثاني: فلو لم يكن فيه إلا آية واحدة في الكتاب لكفى، كقوله تعالى: { (أَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) ويقول: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا) ونحو ذلك من الآيات، فكيف إذا علمت أن الكتاب قد أرشد إلى عشرات بل مئات منها؟!}
وتحرير المقام في هذا الموضع يطول وربما خرج بنا عن مقصود الكتاب، لكننا ننبه على جملة من الفوائد تبصرة وعبرة وتذكرة لأولى الألباب، وفي هذا جملة من الحقائق التي تعين على الفهم وبلوغ المقصود:
الأولى: أن الله تعالى خلق الأسباب والمسببات وزاوج بينهما، كالدواء مع الشفاء، والنكاح مع الولد، والشبع مع الأكل ونحو ذلك، بل كل أمر الدنيا قائم على هذا المعنى، بل الدنيا كلها سبب موصل إلى الآخرة فافهم.
الثانية: أن من الأسباب ما هو متعلق بالفرد كالدواء مع الشفاء، ومنه ما هو متعلق بالمجموع أعني مجموع الأمة، كتعاون الأفراد على القيام بما يسد خلة الجماعة ولا قيام لها إلا به، كأنواع الطاعات والقربات التي تؤلف بين القلوب، كالتناصح والتزاور وعيادة المرضى واتباع الجنائز وبر الوالدين وصلة الأرحام، وكفروض الكفايات من صناعة وتجارة وزراعة وتربية وتعليم وإعداد وتجييش للجيوش وحفظ الأمن ونحو ذلك، وكل هذا داخل في جملة الأسباب ولا فرق.
الثالثة: وكما جعل الله النتائج ثمار الأسباب، جعل لكل سبب منها قدراًَ لا يقع المسبب إلا عنده، (قد جعل الله لكل شيء قدرًا) و (كل) من ألفاظ العموم كما هو مقرر في مواضعه [1] ، فيدخل في هذا
(1) كان قد انصرف ذهني في هذا الموضع إلى لفظ (شيء) وأنها نكرة تعم في سياق الإثبات كما تعم في سياق النفي على الصحيح، وهذا وإن كان صحيحا في نفس الأمر؛ لكن العموم هنا للفظ (كل) كما نبهني عليه بعض العلماء؛ فبادرت إلى إصلاحه، أحسن الله إليه، وغفر لي زللي؛ وزادني وإياه علما.