بِجَبْهَةِ العِيرِ يُفْدَ حَافِرُ الفَرَسِ [1]
البرهان الحادي عشر: اعلم -وفقك الله- أن في الشبهة المذكورة مصادمةً للسنن الشرعية والكونية الموصلة إلى حصول التمكين لدين الله في الأرض، لأنها كما أشرنا من قبل تعطيلٌ للجهاد الذي هو من أعظم أسباب التمكين، وليس يخفى على العاقل ما يصنعه أعداء الدين من التآمر على أهل الإسلام في زماننا هذا على وجه الخصوص، حتى إنّ اللسان ليعجز عن وصفه، بل إن الكيد قد بلغ أصول الإسلام وقواعده، يريدون بذلك خلخلة ثوابته وتحطيم مبادئه وزعزعة ثقة أبناء المسلمين به، فليس من سبيل لردِّ هذا الكيد وقطع حبال المكر وتخليص الأمة مما هي فيه إلا بالجهاد في سبيل الله، فبالجهاد تخوض الأمة أحشاء الظلماء، وبه تعلوا هامة العلياء، وها هم المسلمون قد مرت عليهم عقود وعقود منذ سُلِبُوا مجدهم التليد، وفقدوا عزهم العتيد، وقد سلكوا في محاولة إعادة ما فقدوه مناهج عددا، وجرَّبوا طرائق قِددا، فما زادتهم إلا مهانة ووهنا، وما ازداد أعداء الدين إلا عدوانا وطعنا، وكلما قام داع إلى الجهاد الذي به حياة الأمة وخلاصُها كادوا يكونون عليه لِبَدًَا، لأنهم يعلمون أن الجهاد لدين الإسلام كالروح للجسد، وهو أنجع السبل وأقربها، بل السبيل الأوحد لجمع كلمة أهل الإسلام، وعلى قدر ما تبذل الأمة من الجهاد في سبيل الله يكون اجتماع الكلمة، ومن شاء فلينظر في مرآة التاريخ، وليقرأ تجارب الأمم والدول، علَّها تشرق في سماء معارفه شمس الحقيقة، وما أحسن ما قال القائل:
ولربما انتفع الفتى بعدوه كالسم أحيانا يكون دواء
فالسعي للتمكين في الأرض، وجمعِ كلمة الأمة على طاعة إمام واحد، يستلزم الأخذ بجملة من الأسباب الشرعية، والجريَ وَفق سنن كونية لا تتغير ولا تتبدل، وتلك السنن لا تخص الأمة وحدها، بل تشترك فيها أمم الأرض كلها، وهذا موجز في بيانها.
(1) المعنى أن أشرف ما في الوضيع فداء لأدنى ما في الرفيع.