فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 64

ثم صرف عزمه إلى قتال نصارى العرائش، وتقدم بجمع من المسلمين، فكانوا في الغابة سبعة أيام، وخرج العدو على حين غفلة ومكن الله منه، وفي هذه المدة أخذ حناشا (وهو الجاسوس في كلام أهل المغرب) يدعى ابن عبود، فأراد قتله، فقال له: أبقني، وأنا تائب إلى الله، وأنا أنفع المسلمين إن شاء الله، فتركه، وذهب إلى النصارى، وكانوا يثقون به، حتى كانوا يعطونه الراتب، فقال للنصارى: إن أحياء العرب وحللها قد نزلوا بوادِ العرائش، فلو أغرتم عليهم لغنمتموهم، فخرجوا فمكن الله منهم، وطحنهم المسلمون في ساعة واحدة طحن الحصيد، ولم ينج منهم إلا الشريد، وكان ابن عبود قد بقي في أيديهم فأخذوه ومثلوا به ونزعوا أسنانه وأرادوا قتله لولا أنه رفعهم إلى شرعهم، وكانت هذه الوقعة سنة أربعين وألف، وقتل فيها نحو ألف من النصارى.

وقاتل نصارى الجديدة بعد أن كانوا في منعة وأذلوا المسلمين، وكان سبب قتاله لهم على ما ذكره قاضي (تامسنا) أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد الغنامي أن نصارى الجديدة عقدوا المهادنة مع أهل آزمور مدة، فكان من عزة النصارى وذلة المسلمين في تلك المدة ما تنفطر منه الأكباد، وتخر له الأطواد، وحدث أن زوجة قبطان النصارى طلبت من زوجها أن يخرج بجيشه، ويبعث إلى قائد آزمور أن يخرج بجيش المسلمين، فيلعبوا فيما بينهم، وهي تنظر إليهم، فخرجوا وعدا نصراني على مسلم فقتله، فكلم قائد المسلمين القبطان وأخبره بما وقع، فقال له القبطان مستهزءًا: فما يضركم إن مات شهيدا؟! فلما بلغ الخبر العياشي بات لا يلتذ بطعام ولا منام، وهو يفكر كيف تكون الحيلة في زوال المعرة عن المسلمين بتلك الجهة وغسل أعراضهم من وسخ الإهانة، وهو مع ذلك يخاف من عيون صاحب مراكش وقائد آزمور، إذ كانت تلك النواحي لا تزال تحت حكم السلطان، ولم تدخل في دعوة العياشي، فاحتال عليهم وأمر بعض أولاد أبي عزيز أن يجلبوا إلى النصارى شيئا من القمح خفية، وأن يكون ذلك شيئا فشيئا حتى يذوقوا حلاوته ويطمئنوا ويوهمهم النصح والمحبة، فلما حصل هذا وأطلعوه على غرة النصارى قصد الجديدة، وقدم غزو العرائش، ثمّ أتاها في أول صفر سنة ألف وتسع وأربعين، ومرّ في طريقه بوادِي أم الربيع ملآنا مع أنه لا يدرك له قعر، فقال لأصحابه: توكلوا على الله! ودعا ودعوا، فعبروا والماء يصل إلى قريب من ركب خيلهم، فكانت كرامة عظيمة له، وكان القاضي أبو زيد الغنامي حاضرا لها وشاهدها! ولم يقع مثل هذا إلا للصحابة - رضي الله عنهم -، مثل ما وقع لسعد بن أبي وقاص في عبوره دجلة لفتح المدائن، ومثل ما وقع للعلاء في فتح بعض بلاد فارس.

ولما وصل إلى الجديدة وجد طائفة من أولاد أبي عزيز قد نذروا به، ولجأوا إلى القبطان خوفا منه أن يوقع بهم لأجل مهادنتهم للكفار واتصالهم بهم، فخرج القبطان في خيله، وكان سيدي محمد كامنًا بإزاء (الجديدة) بالغابة، فلما انفصل الجيش من (الجديدة) حمل عليهم وقطعهم عنها حتى فرّوا جهة البحر، ولم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت