السابع من البراهين المبطلة للشبهة: إعلم أن القول المذكور يلزم منه إقرار تسلط الكفار على بلاد المسلمين وأهل الإسلام والرضا بالإقامة تحت إيالتهم وسلطانهم، وفي هذا لعمر الله ذهاب الدين والدنيا، وإذلالُ الكفار وإزهاق باطلهم وفرض الجزية عليهم وكف عاديتهم صيانة لجناب التوحيد وإزالة للحواجز التي تحول بين الخلق ونور الهدى والحق من أعظم مقاصد الشرع التي فرض الجهاد لأجلها، فلئن غفل المثير لهذه الشبهة عن هذا فقد عظمت منه الزلة، وجانب العلم وأهله، وقد ذكر الشاطبي رحمه الله أن أعظم أسباب زلات العلماء الغفلة عن مقاصد الشرع، ولئن كان القائل بها يعلم هذا واجترأ مع ذلك عليه فما أحراه بقول الفقيه أبي عبد الله الفاسي المالكي فيمن قال بتوقف الجهاد على وجود الإمام وإذنه أنه من أعوان الشيطان، ثم غلظ فيه وقال: كاد أن يكون كفرا. [1]
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله في الدرر (1/ 167) منكرا على ابن نبهان: فمن ذلك فيما بلغنا عنه: أنه لا جهاد إلا مع إمام، فإذا لم يوجد إمام فلا جهاد، فيلزم على هذا أن ما يلزم بترك الجهاد، من مخالفة دين الله وطاعته جائز بجواز ترك الجهاد، فتكون الموالاة للمشركين والموافقة والطاعة جائزة، واللازم باطل، فبطل الملزوم، فعُكس الحكم الذي دل عليه القرآن العزيز، من أنها لا تصلح إمامة إلا بالجهاد.
وقد اشتد نكير العلماء رحمهم الله على من رضي بالإقامة في بلد تغلب عليه الكفار لما يستلزمه ذلك من الرضا بهم وبأحكام ملتهم، ولما يقع في النفوس مع كثرة مخالطتهم من الميل إليهم كما وقع لمن بقي من المسلمين في الأندلس وقد مر بك في خبر العياشي، ولمحمد ابن عبد الله الونشريسي المالكي المتوفى سنة (911) رسالة: أسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر وما يترتب على ذلك من العقوبات والزواجر، وما حققه فيها من وجوب الهجرة هو الحق الدامغ والبيان البالغ الذي لا محيد عنه [2] ، ولما هاجمت الحملة الفرنسية الصليبية مصر سنة (1798م) وقعد من قعد من العلماء عن جهادهم كتب جماعة من علماء المالكية بالمغرب رسالة بعثوا بها إليهم ينكرون عليهم فيها رضاهم بالإقامة تحت إيالة الكفار كما ذكر ذلك العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم الكتاني رحمه الله في مقال له في بعض أعداد مجلة الحكمة. وكان قد خرج في تلك المدة لقتالهم الشيخ العلامة محمد عابد
(1) عن النوازل الفقهية للحسن اليوبي.
(2) وانظر المجلد الثامن من الدرر السنية ففيه لأئمة الدعوة في هذا الباب أبحاث حسنة. ومن الكتب المصنفة في أحكام الهجرة: كتاب العبرة، لأبي الطيب البخاري، وكتاب: حسن النظرة في أحكام الهجرة، لأبي العباس أحمد بن مأمون البَلْغَيْثِي (المتوفى:1348) رحمه الله، كما في الأعلام للزركلي (1/ 201) ، وفي نيل الوطر في تراجم علماء اليمن في القرن الثالث عشر: سؤال عن حكم الهجرة، أجاب عنه نثرا ونظمًا جماعة من العلماء رحمهم الله.