وبعد، فإني أختم الكتاب بما قاله عقبة بن نافع رحمه الله، وقد أدخل قوائم فرسه في البحر ودعا: اللهم إني لم أخرج بطرًا ولا أشرًا، وإنك لتعلم إنما نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين، وهو أن تُعبد ولا يُشرك بك شيء، اللهم إنا معاندون لدين الكفر، وموافقون لدين الإسلام، فكن لنا ولا تكن علينا، يا ذا الجلال والإكرام.
ونحن نزيد عليه ونقول: اللهم إنك تعلم أنما نريد خلاص الأمة مما رُميت به من التآمر والكيد، ومما حلَّ بها من التمزُّق والشتات، وأن تعود إلى سابق ما كانت عليه من العزة والكرامة، ونحن ندين الله تعالى بأن طريق النجاة في الجمع بين العلم والعمل، ورأس العلم توحيد الله تعالى، كما أن رأس العمل هو الجهاد في سبيل الله، ومهما خططنا في السطور بالقلم العربي، فلا بد أن نخط في صفوف الأعداء بالهنديِّ [1] ، حتى إذا ما اكتحلت عيون النجوم بِمَرَاوِدِ الرماح، وأشرق ليلُ العجاج بِبُرُوقِ الصِّفِاح، ونادى أعلام الأمة الصالحون بحي على الفلاح، فهناك تنبلج أسارير الصبح عن تباشير النجاح، وتسيل بنداء (لبيك) الوِهَاد والبطاح، ويشْفِ الله صدور المؤمنين وتنشرح أيما انشراح، فاللهم نناشدك وعدك الذي وعدت.
وليعلم الناصح لنفسه أن عدو الدين اليوم لم يرضَ بطرف ثالث، إما معه وإما عليه، فليتق اللهَ امرؤ يؤمن بلقاء ربه، ولا يكوننَّ عونًا لأعداء الدين من حيث يدري أو لا يدري.
ويا ويح أولئك الذين يَفْرون بألسنتهم وأقلامهم أعراض المجاهدين، وماذا عليهم لو خلَّوا بينهم وبين عدوِّ الدين، فإن أظهر الله دينه كان عزُّهم عزًّا لهم في الدنيا والآخرة، أما وقد اختاروا لأنفسهم الأخرى وبئس ما اختاروا فلا يلومُنَّ إلا أنفسهم، أعاذنا الله وإياهم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
وليعلم الناصح لنفسه، المشفق من عذاب ربه، ممن ابتلاه الله بالتصدُّر للعلم، أنه ما أضر بالأمة كعالم سوء، يلبس على الناس دينهم، ويقتل فيهم الغيرة الإسلامية والحمية الإيمانية، ويخذلهم عن القيام بنصرة دين الله ونجدة المستضعفين من المؤمنين والمؤمنات، بذريعة الحكمة والتعقُّل والرويَّة، فيضيع دينهم ودنياهم، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، ومن مشابهة اليهود الذين غضب الله عليهم، كما صنع أحبارهم حينما ابتكروا نظاما مخادعًا يتمسك بحرفية الحكم الشرعي الذي جاءت به التوراة، لكنه يخالف روح الدين ومقاصده، إرضاء للطبقات الحاكمة، حيث عرف باسم نظام الإعفاءات الشرعية (هيتيريم Heterem) والتي كانت من أهم عوامل انحطاط اليهودية التي جلبت عليهم سخط الله وغضبه ولعنته، فكانت تلك الإعفاءات المبتدعة المخترعة تتناول معظم أحكام التوراة، كتقاضي الربا، والسَّنة السبتية، والحلبِ يومَ السبت، والمحاصيلِ المختلفة، والموادَّ المخمَّرة، وغير ذلك [2] .
(1) اسم من أسماء السيف، كانت العرب تحب السيوف الهندية فسمت السيف به.
(2) راجع كتاب: اسرائيل وهويتها الممزقة، لعبد الله عبد الدايم.