كانوا قد تحزبوا عليه، واطلع على خبثهم ونصحهم للكفر وأهله، واستفتى العلماء فيهم فأفتوه بإباحة قتال من هذه صفته، فأطلق فيهم السيل أياما، فقتل من وجد منهم، وهرب أكثرهم إلى مراكش والجزائر، وبعضهم إلى النصارى، وبعضهم إلى (زاوية الدلاء) ، فجاء أهلها للشفاعة في أهل الأندلس فأبى أن يقبل فيهم الشفاعة، وقال: إن الرأي في استئصال شأفتهم، فغضبوا، وأجمعوا على حربه، وكان قد كتب إليه في الشفاعة الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدلائي رسالة! فحاربوه وخرج إليهم العياشي فأوقع بهم وهزم جموعهم وفرّقها، ثم قصد طنجة للجهاد، ولما قفل وجد البربر من أهل الدلاء قد وصلوا إلى أطراف (أزغار) ومعهم قبائل التاغي والدخيس وأهل حزبهم من الكدادرة وغيرهم، وعزموا على مصادمته، فأراد غض الطرف عنهم، فلم يزل به أصحابه حتى التقى بهم، وكانت الدبرة على العياشي، وقتل فرسه تحته! فرجع إلى بلاد (الخلط) وأكثر رؤسائهم في حزب التاغي، وبقي العياشي عندهم أياما، فغدروه وقتلوه في (عين القصب) ، واحتزوا رأسه، وحمله بعضهم إلى سلا حيث يكثر هناك أعداؤه من أهل الأندلس، وفرح النصارى لعنهم الله بمقتله غاية الفرح وأعطوا البشارة ثلاثة أيام.
ومن كراماته المتواترة أنهم سمعوا الرأس ليلا يقرأ القرآن جهارا حتى علمه جميع من حضر، فردوه مكانه، وتاب بسبب ذلك جماعة، وكان مقتله رحمه الله في التاسع عشر من المحرم سنة واحد وخمسين وألف.
وفي هذه المدة رأى رجل مغربي في المدينة النبوية رؤيا منام حدث بها فقال: رأيت في الرؤيا أختي، ورأيت رجلا جالسا مقطوع اليد تسيل يده دما، فقلت له: من أنت؟ قال: الإسلام، قطعت يدي بـ (سلا) ، قال: فلما قدم حجاج المغرب آخر العام حدثوا بموته.
وفي الاستقصا (1\ 2\177) : ثم ختموا أعمالهم بفعلتهم الشنعاء التي ملأت الأفواه وأسالت من الجفون الأمواه، وهي قتلتهم ولي الله تعالى المجاهد في سبيله أبا عبد الله سيدي محمد العياشي المالكي رحمه الله، فما زلنا نسمع أن قبيلة الخلط إنما سلبوا العز منذ قتلهم للولي المذكور، وكان ذلك في المحرم سنة إحدى وخمسين وألف، والله تعالى أعلم.