ثم كانت غزوة الحلق الكبرى، خرج جيش فاس بقصد الجهاد، ونزلوا عين السبع، وكمنوا ثلاثة أيام، وفي الرابع خرج النصارى على غِرَّة فظفر بهم المسلمون، وكان النصارى لما خرج جيش أهل فاس أعلمهم بذلك مسلم عندهم مرتد [1] ، فأعطوه سلعا وجاء بها إلى سلا، يقصد بيعها والتجسس لهم، فأخذ وقتل، وعميت عليهم الأنباء، فلم يشعروا إلا بالخيل قد أحاطت بهم وقتل منهم نحو ستمائة، وغنموا منهم أربعمائة من العدة.
ولم يحضر العياشي هذه الوقعة حنقا على (يوم المسامير) التي كان النصارى قد صنعوها بأربعة رؤوس ليمنعوا تقدم المسلمين، فبعث الشيخ إلى أهل الأندلس بسلا يصنعون له سلالم يصعد بها إلى من بقي في (الحلق) يستأصلهم، فتثاقلوا عنها غشًّا للإسلام ومناواة لأبي عبد الله، حتى جاء المدد لأهل (الحلق) ، وكانت تلك الرابطة بين أهل الأندلس والنصارى متوارثة من لدن كانوا بأرضهم، فكانوا آنس بهم من أهل المغرب [2] ، فلما أُتِيَ أبو عبد الله بالسلالم لم تغن بعد ذلك شيئا، فاستكملت العداوة بينه وبين أهل الأندلس، وكان أهل الأندلس قد أعلموا النصارى بأن محلة أبي عبد الله النازلةَ لمحاصرة (الحلق) ليس لها إقامة! فبلغ ذلك أبا عبد الله، فأقام عليهم الحجة وشاور في قتالهم، فأفتى أبو عبد الله العربي الفاسي وغيره بجواز مقاتلتهم، لأنهم حادّوا الله ورسوله، ووالوا الكفار ونصحوهم، ولأنهم تصرفوا في أموال المسلمين ومنعوهم من الراتب، وقطعوا البيع والشراء عن الناس وخصوا بهم أنفسهم، وصادقوا النصارى، وأمدوهم بالطعام والسلاح، وكان سيدي عبد الواحد بن عاشر لم يجب عن هذه القضية حتى رأى بعينه حين قدم سلا بقصد المرابطة، فرأى أهل الأندلس يحملون الطعام إلى النصارى، ويعلمونهم بعورة المسلمين، فأفتى حينئذ بجواز مقاتلتهم [3] ، فقاتلهم أبو عبد الله وحكم السيف في رقابهم أياما إلى أن أخمد بدعتهم وجمع الكلمة بهم.
(1) هذه عبارة الكتاب.
(2) ومثل هذا يؤيد القول بوجوب الهجرة من بين ظهراني الكفار مطلقا ولو كان قادرا على إظهار دينه بينهم، وهو اختيار جماعة من العلماء، لأن طول الإقامة بين ظهرانيهم يفضي إلى ما ترى.
(3) واليوم يصنع أصحاب السلطان وأرباب الحكم أضعاف أضعاف ما صنعه أهل الأندلس الذين أفتى العلماء بقتالهم، ومع ذلك فيريد المتاجرون بالدين أن يبقى المسلمون هملا لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا إلا ما وافق أهواء الحكام، ولو بيعت الأمة كلها بأبخس الأثمان.
ولعلماء المالكية رحمهم الله جملة من الفتاوي في مثل هذه النوازل تكثر الحاجة إليها في زماننا، نشير إلى بعضها اختصارا ونفصلها في موضع آخر.
فمنه: من أظهر الميل للعدو الكافر وتعصب به قوتل قتال الكفار، وماله فيئ. وقد سأل عن مثل ذلك السلطان المنصور بالله العلوي، وأجاب عنه العلامة الساودي بن تودة، والشيخ بناني، والحافظ العراقي المغربي، كما سأل عنها الحاج عبد القادر الجزائري وأجاب عنها القاضي بفاس عبد الهادي العلوي. وأفتى العلامة أبو العباس بي زكريّ بأن من قاتلوا المسلمين مع النصارى وجب قتلهم، كالكفار الذين تولوهم، ونحوه بتفصيل أطول في فتوى أبي الحسن الأنصاري، وقد قسم المتعاونين مع النصارى إلى أقسام أربعة.
ومنه: لايجوز أن يباع للحربيين القوت والسلاح ولا ما يعظمون به كفرهم.
ومنه: تحريم بيع الخيول والجلود لهم.
ومنه: لو تواطأ أهل قطر على ذلك فقد نبذوا الإسلام وراء ظهورهم.
ومنه: فتوى جماعة من الفقهاء بقتل من يبيع أخاه المسلم للنصارى إن كان لا يندفع شره إلا بذلك.
ومنه: الفتوى بحرمة تسليم الثغر إلى النصارى الأسبان، كما أفتى بها الفقيه أبو عبد الله الأغصاوي البقال، وقتل بسببها ظلما على يد السلطان.
ومنه: الفتوى بإباحة دم ومال من رضي بالإقامة تحت إيالة الكافرين، ومنهم من أفتى بسقوط شهادتهم وإمامتهم.
ومنه: دلالة فعل من حارب المجاهدين وقتلهم على رقة الديانة وضعف الأمانة وإهانة ما عظم الله قدره، فإن كان قصده بالمنع محبة الكفرة ونصرة أهله فلا إشكال في كفره. وعدّه العلامة الفقيه العراقي المغربي ردَّة لأنه لا يصدر إلا ممن خلع ربقة الإسلام من عنقه، وأنه إنما قتلهم لأجل جهادهم. وقالوا: لا يقتل مؤمنا مسلما لأجل الجهاد إلا كافر، فهو كمن قتله لأجل إيمانه.
ومنه: أن الذي يتردد إليهم ويعلمهم بأحوال المسلمين أشبه بالجاسوس، ومن عرّفهم بالطرق الموصلة إلى استيلائهم على المسلمين فهو أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان.
ومنه: أنه لا دَرْك على من خرج إلى الجهاد الفرض دون إذن الوالي، وأن كونه واليا عليهم لا يسوغ له قتال المجاهدين، بل يزيد شناعته وقبحه.
ومنه: أنه لا تقبل الشهادة المجملة في حق أعيان الطائفة، ولا يقدم على الدماء إلا بأمر بيِّن، وأن مدار الحكم في الشريعة على الأعذار.
ومنه ما ذكره الشيخ تقي الدين الهلالي: أن فقهاء المغرب كانوا يكفرون كلّ من سافر إلى الجزائر لأنها تحت الفرنسيين، وإذا رجع من سفره يأمرونه بالاغتسال والدخول في الإسلام من جديد، ويعقدون له عقدا جديدا على زوجته. (الفكر الصوفي) لعبد الرحمن عبد الخالق.
ولهم كثير من الفتاوي على هذا النحو، كما في المعيار المعرب وكتب النوازل كالنوازل الصغرى للوزاني وغيرها، والفتاوي الفقهية للحسن اليوبي، وإنما نقلنا من أقوالهم دون غيرهم من فقهاء المذاهب الأخرى للمشابهة بين أحوال زمانهم وأحوال زماننا، خاصة بعد سقوط الأندلس. والله المستعان.