الثالث: اعلم أن الأئمة رحمهم الله تعالى متفقون على أن الإمام المسلم إذا نهى عن الجهاد المتعين فقد أمر بمعصية فلا سمع له ولا طاعة، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، قال ابن رشد: طاعة الإمام لازمة إن كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية، ومن المعصية النهي عن الجهاد المتعين، كذا في فتح العلي المالك (1\ 390) ، وقال ابن حزم في المحلى (5/ 352) : لا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار، وفي تاريخ دمشق (5/ 22) : سئل وكيع بن الجراح عن قتال العدو مع السلطان الجائر؟ قال: إن كان جائرًا وهو يعمل بالغزو بما يحق عليه فقاتل معه، وإن كان يرتشي منهم ويهادنهم فقاتل على حيالك. فتأمل قوله هذا: فقاتل على حيالك، فلم يشترط للقتال إمامًا. وهذا مع وجود الإمام فكيف إذا لم يكن إمام أصلًا.
وفي نهاية المحتاج للرملي (8\ 60) : يكره الغزو بغير إذن الإمام أو نائبه، ولا كراهة في حالات:
1 -إذا فوت الاستئذان المقصود، أو عطل الإمام الغزو، أو غلب على ظنه عدم الإذن كما بحث ذلك البلقيني. انتهى. ثم ذكر الحالات الأخرى فانظرها هناك.
ثم إذا كان الجهاد لا يعطل مع وجود الإمام لو نهى عنه فأن لا يعطل مع عدم الإمام من باب أولى [1] .
وهؤلاء أئمة المالكية رحمهم الله لما وقع بين السلطان أبي عبد الله محمد بن عبد الله السعدي وعمِّه أبي مروان المعتصم خلاف وذلك في القرن العاشر الهجري، خرج السلطان المذكور وقصد (سبستيان) قائد البرتغال، وطلب منه الإعانة لاسترجاع ملكه، فأعانه وشرط عليه أن يعطيه سائر سواحل المغرب، فاجتمع العلماء على خلعه ومبايعة عمه، فبعث ينكر على العلماء صنيعهم، فأجابوه بجواب من كافة
(1) ثم إنهم قد ذكروا أمورا في الجهاد تحل بغير إذن الإمام، فلئن كانت جائزة مع وجوده وبغير علمه فجوازها مع عدمه أولى، ومن ذلك التلصص في دار الحرب، قال ابن قدامة في الكافي (4\ 313) : وإذا دخل قوم لامنعة لهم دار حرب بغير إذن الإمام فغنموا، ففي غنيمتهم ثلاث روايات، إحداهن: فيها الخمس، وسائرها لهم، لعموم قوله تعالى: اعلموا أنما غنمتم من شيئ فأن لله خمسه. الثانية: هي لهم من غير خمس، لأنه اكتساب مباح من غير جهاد، أشبه الاحتطاب. والثالثة: هي فيئ لاشيء لهم فيها لأنهم عصاة بفعلهم فلم يملكوه كالسرقة من المسلمين، وإن كانت الطائفة ذات منعة فكذلك، لما ذكرنا من التعليل. وقيل: لا يكون لهم من غير خمس رواية واحدة، لأنها غنيمة، فلا يستحقونها بغير خمس للآية وكسائر الغنائم. انتهى. وفي الولوالجية من كتب الحنفية لأبي الفتح بن أبي حنيفة (2/ 299) : رجل دخل دار الحرب متلصصا فسرق صبيا وأخرجه إلى دار الإسلام، فالصبي مسلم.
ومن ذلك النفير إلى العدو بغير إذن الإمام إن خفنا الضرر بتأخر حربه، قال في الكافي (4\ 281) : ولا يجوز الخروج إلى الغزو إلا بإذنه لأنه أعلم بمصالح الحرب والطرقات ومكامن العدو وكثرتهم وقلتهم، فيجب الرجوع إلى رأيه إلا أن يعرض ما يمنع من استئذانه من مفاجأة عدو يخاف الضرر بتأخر حربه، أو فرصة يخاف فواتها بانتظار رأيه فيجوز من غير إذنه.