السادس: اعلم أن علماء المسلمين على مرّ العصور وكرّ الدهور لا زالوا يفتون بوجوب الجهاد ويشاركون فيه ولم يتعرض أحدٌ منهم للشرط المذكور [1] ، ولا زال الصالحون من أمراء المسلمين بعد عصر الصحابة - رضي الله عنهم - يقومون به كلٌ بحسبه وعلى قدر ما يفتح الله به مع تفرق المسلمين وعدم اجتماعهم على إمام واحد، بل اتفقت الألسنة على الثناء عليهم، ومدح العلماء جهادهم، كما كان في الخيار من ملوك الأندلس، وكما كان في الدولة الغزنوية التي كان منها القائد المجاهد الكبير السلطان محمود الغزنوي فاتح الهند رحمه الله، وفي الدولة الأيوبية التي كان منها القائد السلطان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله الذي قاتل الصليبيين في معارك أشهرها حطين في سنة (583) وشاركه في جهاده جماعات من العلماء رحمهم الله، وفي الدولة الخلجية التي كان لها دورٌ في محاربة الهند، وفي دولة المماليك، والسلاجقة، ودولة العثمانيين، ودول بلاد المغرب، كدولة المرابطين، ودولة الموحدين، والدولة المرينية، وغيرهم، فكل هؤلاء كان لهم في جهاد الأعداء صفحات بيضاء خلدت في التاريخ، وكانت سببا في تقويض دعائم الكفر والمحافظة على صرح الإسلام الشامخ ورايته عالية خفاقة بين الملَوَيْن، ولا نعلم أحدًا من العلماء طعن في جهادهم للكفار لأنهم لم تجتمع كلمتهم على طاعة خليفة واحد فضلًا عن القول بأن جهادهم كان باطلًا لا يصح!
(1) وقد مَنَّ الله تعالى على كاتب هذه السطور بتتبع تراجم المجاهدين من العلماء على مرّ قرون التاريخ الإسلامي وإلى زماننا هذا، فاجتمع منها بفضل الله تعالى مئات التراجم، وتراها-إن شاء الله في كتاب: الحسنى وزيادة في تراجم من جمع بين شرف العلم وشرف الجهاد والشهادة، فزد هذا دليلا عمليا على بطلان الدعوى المذكورة ولله الحمد.