ثم يقال لصانع هذه الشبهة: مَن الإمام الذي أردت بقولك: لا جهاد إلا بإمام؟ أتريد الخليفة الذي تجتمع عليه الأمة ولا ثاني له كالخلفاء الراشدين؟ أم تريد الإمام الذي له ولاية وسلطان على قطر من أقطار المسلمين؟ أم تريد المهدي من آل البيت الذي أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه خارج فينا وحاكم بشريعة الإسلام؟.
أما الأول: فإن الأمة منذ أكثر من ألف سنة لم تجتمع على طاعة إمام واحد، أفترى أن كل ما كان من الجهاد طيلة هذه المدة كان باطلًا وغاب علم ذلك عن أئمة المسلمين حتى جئت أنت فأتيت بما لم يأت به الأولون؟! بل قد استقرت كلمة العلماء على أن كل من غلب على بلد فله حكم الإمام، ولم يقل أحد منهم أن شيئا من الأحكام لا يصلح إلا بالإمام الأعظم، ومن ذلك الجهاد في سبيله، كما في كتاب الجهاد من الدرر السنية: الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد من البلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم. انتهى.
وفي كتاب الجهاد من الروضة الندية (714) لأبي الطيب البخاري قال: وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أوسلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمرٌ ولا نهيٌ في غير قطره أو أقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، وتجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة على أهل القطر، الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب، ولا يجب على أهل القطر طاعته ولا الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار، فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها، ولا يدرى من قام منها أو مات، فالتكليف بالطاعة والحال هذه تكليف بما لا يطاق، وهذا لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد، فإن أهل الصين والهند لايدرون بمن له الولاية في أرض المغرب عن أن يتمكنوا من طاعته وهكذا العكس، وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمن، وهكذا العكس، فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية والمطابق لما يدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا فإنه مباهتٌ لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها، والله المستعان. انتهى.
وفي هذا التقرير جواب عن الأول والثاني وإبطال لدعوى المخالف ولله الحمد.
ومن المناسب أن نذكر هنا ما حكاه الصفدي في الوافي بالوفيات، في ترجمة المستنصر بالله العباسي