المصري، الذي ولي الخلافة بعد قتل ابن أخيه المستعصم بثلاث سنين ونصف، فخلا الوقت فيها عن خليفة، وحكى أبو شامة أن ذلك كان في وقت السلطان الملك الظاهر، فكتب كتابا إلى قاضي القضاة نجم الدين بن سني الدولة يخبره فيه بقدوم المستنصر المذكور، فأثبت العلماء نسبه، ثم بايعوه وكان من المبايعين العز بن عبد السلام رحمه الله، كما بايعه قاضي القضاة أيضا.
فهذه ثلاث سنوات ونصف مضت على الأمة بلا إمام، وذلك في أوائل النصف الثاني من القرن السابع الهجري، والعلماء ومنهم المذكورون أحياء متضافرون، فما أفتى أحد منهم بتعطيل الجهاد في هذة المدة، وزمانهم زمان جهاد، وقِراعٍ وجِلاد، والحمد لله رب العالمين.
ونحن نزيد على هذا ونقول: إن السلاطين اليوم لم يعطلوا الجهاد فحسب، ولعمر الله لو لم يكن منهم إلا هذا لكانت مخالفتهم وإقامة الجهاد للذب عن الحرمات والكرامات من أعظم الواجبات، فكيف وهم ينهون عن الجهاد في سبيل الله بل هم من أشد الناس حربًا على الجهاد وأهله بل على الشريعة كلها! معطلون لدين الله وأحكامه، قائمون على شرائع اليهود والنصارى في بلاد المسلمين، ساعون في مرضاة الذين كفروا، باذلون لأجل ذلك النفس والنفيس، يصدق في أحدهم قول القائل:
وكان امرءًا من جندِ إبليس فارتقى به الحالُ حتّى صارَ إبليسُ من جُنْده
فما أحراهم بقول الإمام ابن حزم الأندلسي في رسائله (3/ 176) : والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستنجدون النصارى، فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم، يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعًا فأخلوها من الإسلام، وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم، وسلط عليهم سيفا من سيوفه. انتهى.
فلو حلَف حالفٌ بين الركن والمقام أنه لا حظَّ في الإسلام لمن كان هذا حاله لم يكن حانثا، عجل الله بزوالهم وزوال دولتهم وجعلها في الصالحين من المؤمنين.
وإذ الحال ما ذكرت، فالواجب على جماعات المسلمين القيام بفرض الجهاد في سبيل الله، وأمراؤهم القائمون بالجهاد هم أهل الولاية في هذا، وفي تقرير هذا وإيضاحه جملة من الأقوال والنقولات:
أولها: أن جماعة المسلمين تقوم مقام السلطان إذا عدم، كما أفتى به العلماء في خبر العياشي الآتي إن شاء الله، وكما أفتى به جماعة من العلماء بأن الهند أيام الاحتلال الانجليزي صارت دار حرب، فقال العلامة الشيخ عبيد الله السندي: ومعنى فتواه أن أمراء الإسلام قد عجزوا عن مقاومة الأعداء، ففرض المدافعة عن البلاد عاد إلى الجمهور إلى عامة المسلمين.
وقد ذكر نحو هذا الطاهر بن عاشور رحمه الله.
وفي الكوكب الدري على جامع الترمذي (1\ 199) في مبحث اشتراط الإمام للجمعة: أما اشتراط الإمام، فمن اتفق جماعة المسلمين على إمامته فهو إمام، ولا يحتاج إلى الخليفة أو نائبه عينا، إذ الوجه في اشتراطهما الاتفاق ودفع النزاع وهو حاصل.