ثانيها: أنه قد حكى غير واحد من الأئمة كابن حزم في مراتب الإجماع، وابن العربي في أحكام القرآن، والجصاص في الأحكام أيضا، وابن عطية الأندلسي، والفخر الرازي، ومن المتأخرين أبو الحسن علي بن عبد السلام التسولي المغربي المالكي المتوفى سنة (1258) إجماعَ علماء الملة على أن العدو إذا نزل بلاد المسلمين صار قتاله فرض عين على كل قادر عليه دون قيد أو شرط، وأن مقاتلة العدو الكافر واجبة على كافة أهل الإسلام وهو فرض لا إذن فيه لأحد على أحد، وجد السلطان أم لم يوجد، كان حاضرا أم غائبا، أذن أم لم يأذن ولافرق، هذا حاصل المجموع من كلامهم.
واعلم أن ما نسوقه من الأدلة هنا هو لدحض القول باشتراط الإمام حتى في جهاد الطلب وبلاد المسلمين آمنة مستقرة وعدو الدين مقموع مخذول مقهور، أما في قتال الدفع -وهو دفع الصائل- كما في زماننا فاشتراطه كما يقول به المغبون أعظم بطلانا، قال شيخ الإسلام رحمه الله في الاختيارات: وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا. وقال أيضا: فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك أصحابنا وغيرهم.
قال أبو الوليد: قوله: فلا يشترط له شرط، نكرة في سياق النفي فيعم كل شرط ومنه اشتراط الإمام.
وقال الشيخ ردا على القاضي الذي قال: إذا تعين فرض الجهاد على أهل بلد فمن شرط وجوبه الزاد والراحلة إذا كانوا على مسافة القصر قياسا على الحج، فقال ابن تيمية: القياس على الحج لم ينقل عن أحد وهو ضعيف، فإن وجوب الجهاد يكون لدفع الضرر فيكون أوجب من الهجرة، ثم الهجرة لا تعتبر فيها الراحلة، فبعض الجهاد أولى. انتهى.
أقول: فيقال هنا كذلك: والهجرة واجبة فرارا بالدين من الفتن، ولا يشترط لها إمام، والجهاد واجب أيضا لدفع الفتنة عن المسلمين، بل ربما كان أوجب من الهجرة، فلا يشترط له الإمام من باب أولى، والله أعلم.
ثالثها: قد أفتى ببطلان القول المذكور جماعات من العلماء كما في خبر العياشي الفقيه، وهذا أوان حكايته، مع سياق قصته كاملة باختصار يسير، لما تضمنته من العبر والفوائد، والله ولي التوفيق. فأقول مستعينا به سبحانه:
في كتاب (الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى 2\ 4 2) :
رياسة ولي الله تعالى أبي عبد الله سيدي محمد العياشي على الجهاد ومبدأ أمره في ذلك وهو محمد فتحا بن أحمد المالكي الزياني من بني مالك بن زغبة الهلاليين، وكان من تلامذة أبي محمد بن حسون السلالي دفين سلا، وكان العياشي رحمه الله كثير الورع قليل الكلام مديم الصيام، وكان شيخه رحمه الله قد أمره بالخروج إلى الجهاد وعين له ناحية يقال لها (آزمور) ، وأركبه فرسا كانت قد أهديت له، وأعلمه أن سيكون له في الجهاد شأن عظيم، وذلك في أول دولة السلطان زيدان سنة 1013 للهجرة، فخرج