وقصد الناحية المذكورة فلم يزل صابرا مثابرا على الجهاد شديد الشكيمة على العدو عارفا بوجوه المكايد الحربية، بطلا شهما مقداما في مواطن الإحجام، وقورا صموتا عن الكلام، وضَيّقَ على النصارى، وكانوا يومئذ قد أمِرَ أمرهم، ففرح بذلك قائد آزمور، وولى السلطان قيادة الثغر إلى العياشي، فنهض بالأمر، واستمر على ما هو عليه من الجهاد حتى منع النصارى الحرث والرعي، فلا زال النصارى يحتالون في أمره، والناس من خصومه تشي به عند السلطان ويخوفونه عاقبته حتى حنق عليه، وبعث إليه قائدا يقال له محمد السنوسي في أربعمائة فارس لقتله! فألقى الله في قلب السنوسي المذكور الشفقة على الشيخ لما يعلم من براءته، وبعث إليه رسولا أن انج بنفسك فإنك مقتول، فخرج العياشي في أربعين بين راجل وفارس وقصد سلا سنة 1023.
ثم إن النصارى البرتغاليين لعنهم الله استولوا على (المهدية) وأقاموا بها سنين، ثم جلوا عنها واستولى عليها الأسبان، وكانوا قد استولوا من قبل على العرائش، فبعث إليها (فليبس الثالث) من جزيرة قادس تسعين مركبا حربيا واستولى عليها من غير قتال لفرار المسلمين كما في تواريخ الفرنج والله أعلم.
وذكر شارح الزهرة أن العدو النصراني نزل (مرسى الحلق) سنة 1022، وقيل:1023، ليضمها إلى العرائش، ولينضبط له ما بينها من السواحل وتتقوى عساكره فلقي من أهل الإسلام عرق القربة، فخرج أهل سلا إلى العياشي، وذلك بعد سلامته من اغتيال قائد زيدان، وذكروا له خوفهم من النصارى، وأن العدو قد حضر في ألفين من الرماة سوى الفرسان، فأمرهم بالتهيؤ إليهم [1] واتخاذ العُدة، فلم يجد عندهم إلا نحو المائتين منها، فحضهم على الزيادة والاستكثار منها حتى بلغت أربعمائة، ثم نهض إلى المعمورة وصادف بها النصارى غرَّة، فلقيهم إلى غروب الشمس، وقُتل منهم أربعمائة، ومن المسلمين مائتان وسبعون، وهذه أول غزوة له بعد خروجه من (آزمور) ، ولما علم السلطان زيدان باجتماع الناس عليه في سلا خاف أمره وبعث إليه من يقتله، فقصد المبعوث سلا وفاوض أشياخها على أن يجعلوا على العياشي عيونا للسلطان، فلما علم الشيخ بذلك انقبض عن الجهاد ولزم بيته، وبقي على هذا الحال حتى وقعت النفرة بين السلطان وأهل سلا، ثم عدوا على الوالي وقتلوه، وعمت الفوضى البلدة وكثرت اللصوص والنهب والعدوان على الحرمات.
ثم إن أهل سلا أعيانهم وأكابرهم شكوا إليه ما آل إليه حالهم، وطالبوه بالقيام بمصالح المسلمين وأمر الجهاد في سبيل الله [2] ، وبايعوه على الجهاد والقيام بالحق، فأمر أشياخ القبائل أن يضعوا خطوطهم في ظهير [3] بأنهم رضوه وقدّموه ويلتزمون طاعته، وأن كل من خرج عن أمره كانوا معه يدا واحدة على مقاتلته حتى يفيئ إلى أمر الله، فأعطوه ذلك، ووافق على ذلك قضاة الوقت وفقهاؤه، من (تامسنا) إلى
(1) وقيل بل إن أهل سلا كتبوا لى السلطان فبعث إلى العياشي الذي كان موكلا بالجهاد على دكالة، وذلك في جمادى الثانية سنة ألف وثلاث وعشرين. والله أعلم.
(2) الاستقصا 2\ 73.
(3) وثيقة.