وقد تضافرت أدلة الكتاب والسنة على الأمر بالجهاد أمرًا مطلقًا ما استثنى الله منه غير أصحاب الأعذار بل ذم القاعدين المتخلفين عن الغزو لغير عذر أشد الذم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ... } ) التوبة 38. (قال في فتح البيان(3/ 116) : وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت، لأن الله سبحانه نص على أن تثاقلهم عن الجهاد أمر منكر، فلو لم يكن منكرا لما عاتبهم على ذلك. انتهى. وفضح الله تعالى شأن المنافقين المثبطين عن الجهاد في سبيل الله، القابضين أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله، في سورة التوبة التي سميت بالفاضحة لأنه ما زال ينزل فيها (ومنهم .. ومنهم .. ) حتى كادت أن لا تدع أحدا، وسميت البَحوث بفتح الباء صيغة مبالغة لأنها تبحث عن أسرارهم وفي معناها المبعثرة والمثيرة والحافرة وكلها من أسماء السورة، وقد ذكر شيخنا ومفيدنا العلامة أبو زكريا عبدالسلام بن عبدالرؤوف الرستمي نفع الله به في الموسوعة القرآنية المسماة بالفرائد الربانية والفوائد القرآنية في المجلد الثاني (ص/10) قبائح ترك الجهاد في سبيل الله بذكر الآيات الدالة عليها فمن ذلك:
فسق التارك له الذي يقدم عليه محبة الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والمال والتجارة والسكن [1] ، ومنها نفي الإيمان بالله واليوم الآخر عمن يستأذن في ترك الجهاد، ومنها أن القعود عن الجهاد بالمال والنفس من علامات النفاق، وهذا كله من آكد الأدلة على أن الجهاد ركن من أركان الدين كما ذكر الأئمة رحمهم الله، ولأجل ذلك قال من قال من العلماء: إن حكم الجهاد فرض عين كما روي عن ابن المسيب، رواه عنه ابن جرير في التفسير (2/ 200) وابن أبي شيبة في المصنف (15308) وروي نحوه عن مكحول وهو في المصنف أيضا (15307) وهو قول لطائفة من الشافعية حكاه ابن قدامة في المغني ورده، والمشهور من الأقوال أنه فرض كفاية إلا أن تدعو إليه الحاجة كأن يدهم العدو أو يحضر الصف ويتعين على من عينه الإمام [2] ، وما كان هذا شأنه فكيف يقال بسقوط فرضه بغير شرع ولا توقيف؟!
(1) قال عالم الحجاز ومفتيهم الإمام محمد بن أحمد الحفظي رحمه الله: فتفطن لها، وتأملها، فإن الله أوجب أن يكون الله ورسوله والجهاد، أحب من تلك الثمانية كلها، فضلا عن واحد منها، أو أكثر أو شيء دونها مما هو أحب، فليكن الدين عندك أغلى الأشياء وأعلاها، والتوبة أهم الأمور وأولاها. انتهى.
(2) طالع تحرير القول في ذلك في رسالة (قرة العين) من كتابنا الاجتهاد في نوازل الجهاد (1/ 13) .