-وقبل سنين أوائلَ هذه الحرب الصليبية لقيت بعض العلماء، وزعم أن التجربة (ويعني بها قتال الروس وجهادهم فيما مضى في أفغانستان) قد دلت على أن الجهاد في سبيل الله لا يصلح سببًا لإقامة الدين والشرع ولا للتمكين لدولة الإسلام! وهذه الدعوى جناية على الشريعة أولًا وعلى عبادة الجهاد ثانيًا، بل الجهاد في سبيل الله من أعظم الأسباب الموصلة إلى ذلك، وإنما جعل الله لحصول المسبب وهو التمكين في الأرض والاستخلاف فيها قدرًا من السبب -ومنه الجهاد- يجب بذله ولا يتم التمكين إلا به.
وقولي في الجهاد (من أعظم الأسباب) أشير بها إلى أن التمكين لدولة المسلمين في الأرض يستلزم الأخذ بأسباب أخرى، وأن يبذل من كل منها القدر الواجب الذي لا يتم المسبب إلا به.
وهذا يدلك على أمور:
الأول: أن الجهل بهذا الذي ذكرناه حمل كثيرا من الدعاة والمتصدرين للعلم على الخوض في مناهج دخيلة للسعي في التمكين للدين وإقامة الشرع، كالانتخابات، والحوارات، والاقتصار على الدعوة، أو التربية، أو طلب العلم، مع الإعراض عن النهج القويم والسنن المستقيم في قيام الجماعات والأمم والدول!
والثاني: خطأ من يظن أن الجهاد هو السبب الأوحد الموصل إلى التمكين في الأرض، فخلوا الأسباب الأخرى معطلة هملا، ومن أخذ بشيء منها لم يُحَصِّلْ منه ما وجب، فطال الأمر، وضعفت الهمم، وتخاذل الناس، واتهم الجهاد وأهله والله المستعان، وهذا المقام يحتاج إلى كثير من البسط والإيضاح وضرب الأمثلة لتتجلى حقيقته للعيان، ومحله"أرائك الحكمة"وبالله التوفيق.
-واعلم أن مقادير الأسباب التي يجب تعاطيها يستوي فيها جميع الناس مؤمنهم وكافرهم كما يستوون في نفس الأخذ بالأسباب وتولد المسبَّبات عنها، فكما يستوون في التداوي لدفع المرض، والطعام لدفع ألم الجوع، والنكاح للولد، يستوون كذلك في إقامة الجماعات وحماية الأمم وبناء الدول، والفرق إنما هو في الاعتقاد والقصد، فالمسلم يعتقد أن الله وحده خالق الأسباب ومقدرها، وخالق المسببات، وأن الأسباب لا تفعل بنفسها [1] ، وأن الأخذ بها عبادة، لأنه أمربها ولا تعبد إلا بما شرع سبحانه، فكل سبب دل الشرع على المنع منه أعرض عنه إلى ما سواه من المباحات، ثم قصده من ذلك كله إعزاز الدين وإقامة الشرع وصلاح الخلق وبلوغ مرضاة الله تعالى، والكافر على العكس من ذلك كله.
-فإن قلت: فما حد القدر الذي يجب تعاطيه من الأسباب لتحصل عندها المسببات؟
قلت: ما أثبت له الشرع حدًا حددناه به، كالزكاة وصدقة الفطر لدفع حاجة الفقير، وكخمس الغنيمة لسد حاجة الأصناف الخمسة المذكورة في الآية، وأربعة أخماسها لسد حاجة الغانمين، ونحو ذلك.
(1) ذكر ابن قتيبة في المعارف عن بعض العلماء أنه قال: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع. فتاوي ابن تيمية: (10/ 35)