ما آتاهم الله من المواهب، وفي هذا السعي -وحديثنا عن الأخذ بالأسباب- تتفاوت الهمم وتختلف العزائم، في الأفراد والجماعات والدول، فمن وفقه الله ووجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك ورأى نفسه في الساقة عند أذناب الإبل وغيرَه على رأس القافلة فلا يلومَنَّ إلا نفسه!.
-والأخذ بالأسباب سنة كونية لا تتخلَّف ولا تتبدل ولا محاباة فيها لأحد على أحد، أعني من جهة التوصل بها إلى المسببات، وكون هذه الثانية مترتبةً عليها وثمرةً لها، وإلا فنفس الأخذ بالسبب عبادةٌ مع صدق النية وصفاء الطوية، وأعني بكونها سننا كونية أنها يستوي في أصل التوصل بها إلى المسبَّبَات -المؤمن والكافر- كما ذكرت في مقادير الأسباب التي يجب تعاطيها من قبل.
-فإن قلت: فنحن نرى الإنسان يسعى في الأخذ بسبب من الأسباب جهده ثم يتخلف حصولُ المسبب؟!
-قلت: لأنه قد يظن الشيء سببا موصلًا إلى المسبب وليس سببا في نفس الأمر، كمن يتعاطى دواء لعلاج داء معين وليس علاجًا له في نفس الأمر، فإنه لا يحصل به المسبَّب الذي هو البرء، ويلزمه لدفع الداء السعي في البحث عن الدواء الموافق للداء، وليس السعي الأول بأوجب من الثاني، ولا الثاني بأوجب من الثالث وهكذا، وهذا هو معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله من داء إلا وله دواء علمه من علمه وجهله من جهله) وقوله - صلى الله عليه وسلم: (فإذا أصاب الدواء الداء برئ بإذن الله) .
-وهذا منزل يتفاوت فيه الناس أيضا كل بحسب همته وعلى قدر صبره، يتفاوت فيه الأفراد كما تتفاوت فيه الأمم، وهو باب يدخل تحته كل ما سبيله البحث والتجربة:
-فمن سعى في تحصيل رزق من وجه ولم يحصل له، أُمر بتحصيله من وجه ثان وثالث ورابع وهكذا، ولو زعم أن عدم حصوله من الوجه الأول دليل على عدم حصوله مما عداه من الوجوه كان زعمه ردا عليه.
-ومن سعى ليعف نفسه بالنكاح فردت عليه خِطْبته في الأولى أمر بخطبة ثانية فثالثة فرابعة وهكذا على مثال ما سبق.
-ومن سعى إلى الهجرة من طريق وَحِيلَ بينه وبينها، فزعم أنه لا يستطيع الهجرة واختار الإقامة بين ظهراني الكفار، لم تقبل دعواه ولا عذر له حتى يسعى إليها من طريق ثان وثالث ورابع وهكذا، ولا يسقط عنه إلا ما عجز عنه.
-ومن سعى إلى دفع عدو صائل فعجز عن التَّحَيُّلِ لدفعه من وجه، وجب التحيل من وجه ثان وثالث ورابع وهكذا، حتى يندفع عدو الدين ويخزى، ولا يجوز له أن يخلِّيَ بينه وبين دار الإسلام بحجة عجزه في الأولى والثانية وهكذا.
-ومثل هذا يقال في السعي لتحصيل علم، أو صناعة، أو إعداد، أو قتال عدو، أو خدعة في الحرب، أو لبناء مدينة، أو تربية، أو تعليم، أو طب، أو تجارة، أو غير ذلك من جميع ما تحتاج الأمم إليه.