وإن من أبرز الميادين العلمية التي كانت مجالا للتناظر والتحاور بين علماء الإسلام ميدان التشريع الإسلامي، في أصوله وفروعه، وقواعده وأحكامه، كما أن من أجل وأبرز من نبغ فيه وتصدى له ومارسه بجدارة علمية وثقة نفسية عالمان جليلان من علماء الإسلام في الأندلس، ذاع صيتهما وطبقت شهرتهما الآفاق، هما الفقيه الجليل المتضلع القاضي أبو الوليد الباجي المالكي، والفقيه الجليل المتمكن أبو محمد بن حزم الظاهري.
فقد كان هذان العالمان متعاصرين، وكان لكل منهما منحى يسلكه في الأخذ بالمذهب الفقهي والمنهج الأصولي، والتوجه اعلمي والاستدلال الفكري والمنطقي الذي يتمسك به، ويقتنع به ويدافع عنه.
وكان ذلك مدعاة لاختلاف آرائهما ومفاهيمهما ووجهة نظرهما في كثير من القضايا والأصول والمسائل والأحكام، ومحاولة كل منهما الانتصار لمذهبه واجتهاده وطريقة استنباطه، والإقناع بسداد رأيه، وصواب قوله، وسلامة منطقه، وقوة حجته ودليله، وهذا ما أجلى في المناظرات المختلفة والمتنوعة التي وقعت بين هذين العاملين الجليلين، وبين كل منهما مع غيره من علماء الإسلام، وأهل الديانات السماوية الأخرى، مما كان له صدى واسع، وأثر كبير في اهتمام العلماء ورجال الفكر والثقافة بفن المناظرة وأدبها وأسلوبها في الحجاج والحوار، وما تحتاج إليه من استعداد علمي كبير، ومنهج دقيق سليم، ونقاش هادف، عاقل ورصين.