إن علم الجدل ضرورة أصولية يحتاجها الفقيه الأصولي للحفاظ على دعواه من جهة وللبرهنة على أصوله من جهة أخرى، ولهذا لا نستغرب إذا ما وجدنا كل الكتابات الأصولية قد استخدمت الطرق الجدالية- ناهيك عن التصريحات لهذا الاستعمال-، فصاحب"المسلم الثبوت"بعد أن مارس فن المناظرة في محاوره مؤلفه لم يسعه أن خصص محورا لهذا الفن داخل مؤلفه (1) . وكذلك صنع الشيرازي والجويني، بل والغزالي، فهو إن دعا فصل علم الجدل عن علم الأصول، فإنه لم يحالفه الحظ في هذا الفصل، فجاء مؤلفه عبارة عن تحاور وتناظر مع الخصوم ويكفي الدارس أن يقف على مبحث حجية الكتاب وحجية السنة وحجية القياس ومبحث القوادح…
وقد كان-قبله- دأب علماء الأصول ابن حزم الذي اتخذ من الجدل غاية وهدفا للرد على المشفعية وعلى مخالف الحق"نوعب الرد على كل من خالف الحق في ذلك إن شاء الله" (2) وعلى هذا النهج سار الباجي في كتابه"إحكام الفصول وهو كتاب أصولي مصوغ في قالب جدلي" (3) .
ولكي نظهر هذا الجانب الجدلي في مبحث القياس والذي يشكل رحى هذا الفصل أود قبل ذلك أن أقف على نموذج الباجي وابن حزم من جهة، وعلى بعد الأوليات التي حركت التناظر بينهما حول مبحث القياس من جهة أخرى:
أولا: القياس بين الفقه والمنطق
ثانيا: جدلية تناهي النصوص وكمالها
ثالثا: جهل الإنسان (المعرفة)
رابعا: الإباحة (الأحكام) (4) .
(1) -فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت: محب الله عبد الشكور 2/330.
(2) -الإحكام: ابن حزم 1/96.
(3) -إحكام الفصول: الباجي. مقدمة الناشر عبد المجيد التركي، ص: 100.
(4) -أشار عبد الجميد التركي إلى ثلاثة محددات فقط. انظر: مناظرات في أصول الشريعة، ص: 360 (إرادة الله العلوية وعلمه المطلق- جهل الإنسان أصلا-إكمال الشريعة) .