إن ابن حزم وغن اتفق مع المحدثين، فهذا لا يسحب عنه صفة الفقيه لأن ابن حزم ساير مذهب المحدثين فينا يتفق وظاهريته، أما ما يختلف معها فقد انتقده، فانتقد المحدثين في قولهم فلان يحتمل في الرقائق ولا يحتمل في الأحكام، لجنوحهم عن مذهبه الظاهري"مما غلط فيه بعض أصحاب الحديث أن قال فلان يحتمل في الرقائق ولا يحتمل في الأحكام" (1) وانتقدهم في قولهم فلان أعدل لما في هذا من تناقض مع مذهبه الظاهري"وقد غلط قوم آخرون منهم (أي المحدثون) فقالوا فلان أعدل من فلان وراموا ترجيح خبر الأعدل من هو دونه في العدالة" (2) .
بالنسبة للإدعاء الأول فليس فيه ما يدل على صدقه، فهو تقسيم باطل لأن تقسيم البشر العدل مقبول في كل شيء، والفاسق لا يحتمل في شيء، والعدل الغير الحافظ لا تقبل نذارته خاصة في شيء من الأشياء ومن كان عدلا في بعض نقله فهو عدل في سائره ومن المحال أن يجوز قبول بعض خبره ولا يجوز قبول سائره.." (3) ."
أما بالنسبة للإدعاء الثاني: فليس في النصوص ما يدل على التمييز بين العدل والأعدل"إن الله عز وجل لم يفرق بين خبر عدل آخر أعدل من ذلك" (4) وحتى ولو كان ذلك فالعدل قد يعلم ما لا يعلمه الأعدل (5) ولو رجعنا إلى مفهوم العدالة لعملنا أنها تعني التزام العدل والقياس بالفرائض لا دخل لها في الرواية" (6) ."
إن هدف ابن حزم من هذا الانتقاد هو إعطاء فسحة لظاهريته وظاهريته في مبحث الحديث تحكمها أوليتين أساسيتين:
الأولية الأولى: رفض الترجيح
والأولية الثانية: الإيمان بالقطع
الأولية الأولى-رفض الترجيح:
(1) -الإحكام: ابن حزم 1/143.
(2) -الإحكام: ابن حزم 1/143.
(3) -نفسه.
(4) -نفسه 1/143-144.
(5) -نفسه 1/144.
(6) -نفسه 1/145.