1-المناظرة حول دعوى الأمر بين الوجوب والوقف:
اعترض ابن حزم على الواقفية اعتراضا قويا لأن الوقف والأخذ بالظاهر على طرفي نقيض (1) ، ولهذا فليس من قبيل الصدف أن يخصص ابن حزم بعض الانتقادات لهذا المذهب وخاصة لكبار ممثليه من المالكية كابن المنتاب والقاضي أبي بكر الباقلاني، فلقد اعترض ابن حزم على الواقفية في كل المسائل الأصولية ومن جملة اعتراضاته، اعتراضه على حمل الأمر على الوقف، فالواقفية ترى أن الأمر لا يحمل على الوجوب بل لا حمل على أي معنى استعمالي آخر إلا بدليل أو قرينة، والذي أظهر هذا الاختلاف هو الاستعمالات المتعددة التي يرد عليها وبها الأمر، فهو يرد ويراد به المعاني التالية:
-الإيجاب كقوله تعالى: { أقيموا الصلاة } (البقرة: 110)
-الندب كقوله تعالى: { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } (النور: 33) .
-الإرشاد كقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } (البقرة: 282) .
-الإباحة كقوله تعالى: { كلوا من الطيبات } (المؤمنون: 51) .
-الوعيد كقوله تعالى: { اعلموا ما شئتم } (فصلت: 40)
-التأديب كقوله- صلى الله عليه وسلم - لعمر بن أبي مسلمة { سم الله وكل بيمينك } .
-الامتنان كقوله تعالى: { فكلوا مما رزقكم الله } (النحل: 114) (2) .
إن التناظر ليس واقعا في هذه المعاني التي يستعمل فيها الأمر وإنما واقع في المعنى الذي يحمل عليه الأمر إذا ورد مجردا، بمعنى هل الأمر حقيقة في الوجوب مجاز فيما عداها أم أنه حقيقة في معنى من هذه المعاني مجاز فيما عداها..؟
فحول هذا السؤال تشكلت مذاهب متعددة منها:
(1) -تفسير النصوص في الفقه الإسلامي: د.محمد أديب صالح 2/26.
(2) -تفسير النصوص في الفقه الإسلامي: د.محمد أديب صالح 2/235.