لقد رأينا كيف تضاربت الأقوال في تحديد معنى ظاهرية ابن حزم وقد استعبدنا كل هذه الأطروحات لعدم تدقيقها وتعاملها مع المتن الحزمي فالظاهرية لا تحدد بالألفاظ الفضفاضة
وإنما تحدد بالوقوف عند نسقها المتكامل الذي يتجلى في مفهوم الظاهر والنص والوجوب والتحريم والتراخي والفور والعموم والخصوص والحقيقة والمجاز…
1-الظاهر والنص:
النص"هو اللفظ في القرآن أو السنة المستدل به على حكم الأشياء وهو الظاهر نفسه" (1) . هذا المعنى الذي أعطاه للنص هو نفسه الظاهر بحيث لا فرق عنده بين الظاهر والنص، ونفس المذهب ذهب إليه الشافعي ف"سمى الظاهر نصا" (2) . لكن المالكية بل مالك روى عنه أنه قد"طبق في فروعه التفرقة بين النص والظاهر" (3) . فلا عجب حين اختلف الباجي عن ابن حزم في التمييز بين الظاهر والنص، فالظاهر عنده هو"المعنى الذي يسبق إلى فهم السامع من المعاني التي يحتملها اللفظ" (4) . فاللفظ الظاهر يحتمل معاني متعددة ولكن في أحدها أظهر، وهنا يختلف مع ابن حزم الذي يعطي للظاهر مرتبة عليا في البيان، فهو ليس محتملا لمعاني ولا يسبق إلى فهم سامعه بل هو النص"النص هو الظاهر نفسه" (5) وهنا يختلف كذلك مع الباجي الذي يجعل مرتبة البيان في النص أبعد من الظاهر"النص هو ما رفع في بيانه إلى أبعد غاياته" (6) .
(1) -الإحكام في أصول الأحكام: ابن حزم الأندلسي 1/42.
(2) -المنخول من تعليقات الأصول: الغزالي، ص: 165.
(3) -مالك، حياته، عصره، أراؤه وفقهه: أبو زهرة 222.
(4) -كتاب الإشارة في الأصول المالكية: أبو الوليد الباجي، مخطوطة، أنظر المطبوعة 8.
(5) -الإحكام: ابن حزم 1/42.
(6) -كتاب الحدود: أبو الوليد الباجي، ص: 42، والمنهاج في ترتيب الحجاج: الباجي 15.