إن قضية الباطن التي أثرنا سابقا لا يمكن فهمها على ضوء الاستنتاجات الاستشراقية، وإنما ينبغي فهمهما في ضوء النسق الظاهري السابق، كما ينبغي فهمها على ضوء الفهم المالكي للباطن، فمما لاشك فيه أن ابن حزم قد قوض الباطن ورفضه-كيف لا وهو يتناقض مع مفهومه"الظاهر"-ولو أدى به الأمر إلى رفض بعض النصوص الحديثية والآثار الدينية (1) .
إن قضية الباطن كانت مطروحة في النصوص القديمة، وقد أعيد إثارتها من طرف المالكية على اعتبار أنهم يمثلون هذا الاتجاه، وإن كانوا لا يسمونها في بعض الأحيان بهذا الاسم وإنما يسمونها القياس المرسل أو العلة أو المصالح وربما لم ينعتوها باسم، بل اكتفوا بتطبيقها في بعض النصوص التشريعية، فلذلك كثيرا ما كنا يتجاوزون المعنى"الظاهري"بحثا عن المعنى الدلالي الثاني، وإلا فلماذا بحثوا عن علة الحكم، ولماذا بحثوا القياس ولماذا بحثوا مفهوم المخالفة والموافقة ؟
إننا لا نشك انهم بحثوا هذه المحاور بحثا عن الدلالة الثانية للنص أو بعبارة أوضح عن مقصد الشارع ومثال بسيط يوضح ذلك، فتفسير المالكية لقوله تعالى"أقيموا الصلاة (البقرة: 110) لا يقف عند البحث عن المعنى الأول الذي هو البحث عن صيغته (2) ؛ وإنما تجاوزه إلى البحث عن إرادة المشرع من ذلك، وإرادته تتمثل في"المحافظة على الصلاة.. والإدامة لها" (3) ."
(1) -الإحكام: ابن حزم 3/17.
(2) -نفسه 3/3. انحصر نقاش ابن حزم في هذا المحور.
(3) -الموافقات: الشاطبي 3/87-88.