والواضع من هذه الأولية وغيرها-القياس بين الفقه والمنطق وجدلية تناهي النصوص وكمالها وجهل الإنسان- أن ابن حزم يقصد إلى إعطاء أولوية لظواهر النصوص وفي الوقت نفسه يقصد إلى إقصاء الرأي عامة من الأصول والقياس خاصة وبوقفة مع مواقفه من قضايا الرأي ندرك ذلك:
1-نفي الاحتياط وقطع الذرائع والمشتبه:
ليس صحيحا أن يتمسك المالكية (1) ببعض الأحكام بناء على الاحتياط والخوف لأن تلك الأحكام تدخل في المشتبهات التي ليس المرء بمتيقن من خلالها أو حرامها، ولذلك، فالأمور إذا لم يتيقن أنها حرام أو حلال فهي في حكم المباح"تلك المشتبهات ليست بيقين من الحرام، وإذا لم تكن مما فصل من الحرام فهي على حكم الحلال بقوله تعالى { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } ، فما لم يفصل فهو حلال بقوله تعالى"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" (2) (البقرة/29) ."
2-نفي الاستحسان والاستنباط والرأي:
إن ما يجمع بين هذه المصادر هو رجوعها إلى الرأي، فالمستحسن لا يستحسن إلا اعتمادا على هواه"إن الاستحسان شهوة واتباع للهوى وضلال" (3) ، وكذلك الشأن بالنسبة للاستنباط فهو يكتسب مشروعيته من الرأي والقياس وكل ذلك باطل"وأما الاستنباط فإن أهل القياس ربما سموا قياسهم استنباطا.. وهذا باطل" (4) ، وبطلانه يرجع إلى أنه يستمد من الرأي، والرأي عند ابن حزم مذموم بالأدلة التالية:
-عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" (5) .
-قال أبو بكر:"أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في آية من كتاب الله بغير ما أراد" (6) .
-عن عمر (رضي الله عنه) قال:"يا أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله- صلى الله عليه وسلم - مصبيا لان الله عز وجل كان يريه، وإنما هو منا للظن والتكلف" (7) .
(1) -انظر دراسة قيمة في هذا الباب: سد الذرائع في الشريعة الإسلامية: هشام البرهاني، ص: 723. وما بعدها. انظر موقف مالك من الذرائع. أحكام الفصول: الباجي، ص: 689. وانظر موقف المالكية من هذا الدليل. الإحكام 6/9. 14-15.
(2) -الإحكام: ابن حزم 5/35.
(3) -نفسه 6/17.
(4) -الإحكام: ابن حزم 6/21.
(5) -نفسه 6/39 و 6/46.
(6) -نفسه 6/41.
(7) -نفسه 6/42.