يظهر من خلال هذه النصوص أن هناك جانب منصوص عليه فيقتضي اتباع النص فيه، وهناك جانب يحتاج إلى تدخل المجتهد قصد استنباط حكمه استنادا إلى كليات النص أو إلى أصل الحكم، وفي كلتا الحالتين يقتضي النص الاجتهاد سواء في فهمه أو في تنزيل الجزئيات على الكليات" (1) ."
اختلاف ابن حزم مع الباجي حول بعض المصادر المعرفية سيكون عاملا أساسيا في توسيع دائرة الاختلاف حول"الرأي"عامة و"القياس"خاصة فالمعرفة عند ابن حزم لا تكتسب بالإلهام"لا شيء يعلم بالإلهام" (2) ، وهي كذلك غير مكتسبة بالإمام أو التقليد مع نفي الاعتقاد في اكتسابها بالخبر والخبر فقط، وإنما تكتسب بالعقل والحواس"طرق المعارف معروفة محصورة وهي الحواس والعقل…" (3) ، وإذا كانت المعرفة تعتمد الحواس والعقل فإنه لا إمكانية لتصور المعرفة بدون عقل إذا العقل القوة المصححة لما يستوجبه الحواس"وبهذه القوة (أي العقل) عرفنا صحة ما توجيه الحواس" (4) ، والعقل لا يقتصر دوره على تقويم الحواس، بل دوره يكمن في فهم مراد الله وتمييزه للأشياء التي قد رتبها الباري تعالى على ما هي عليه (5) . و العقل الحزمي إذا كان محصورا في هذين الخاصيتين فهو قاصر عن اتخاذ مسلك معين كالقياس لأنه ليس في العقل قياس وليس فيه تحريم أو تحليل"وأما من ادعى أن العقل يحلل ويحرم.. فهو منزلة من أبطل موجب العقل جملة" (6) .
(1) -بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ابن رشد 1 / 2-3.
(2) -الإحكام: ابن حزم 1/17.
(3) -نفسه 7/92-93. انظر التدليل على ذلك 1/66.
(4) -نفسه 1/17. ورسالة التقريب: ابن حزم 4/313 وما بعدها.
(5) -الإحكام: ابن حزم 1/69.
(6) -نفس المصدر 1/28. وانظر كذلك 1/29.