حول هذه النقطة يختلف ابن حزم مع الباجي، فالباجي يرى أن العقل أثناء تفكيره يتخذ مسلكا معينا من مسالك الرأي سواء أكانت استحسانا أو قياسا… ولذلك تشبعت مصادر الباجي المعرفية الخاصة بالتشريع فهي بالإضافة إلى النص تشمل القياس والمصالح والاستحسان… بينما مصادر المعرفة الدينية عند ابن حزم فهي تقتصر على أربعة مصادر. قال علي:"ووجدنا القرى ألزمنا الطاعة لما أمرنا به ربنا تعالى فيه، وأما أمرنا به نبيه - صلى الله عليه وسلم -، مما نقله عن الثقات أو جاء عنه بتواتر أجمع عليه جميع علماء المسلمين على نقله عنه عليه السلام فوجدناه تعالى قد ساوى بين هذه الجمل الثلاث في وجوب طاعتها علينا فنظرنا فيها فوجدنا منها جملا إذا اجتمعت قام منها حكم منصوص على معناه، فكان ذلك كأنه وجه رابع إلا أنه غير خارج على الأصول الثلاثة التي ذكرنا…" (1) .
إن اختلاف الباجي مع ابن حزم حول هذه الأصول المعرفية التشريعية لا يمنع من اتفاقهما حول المصادر التي تكتسب بها المعارف الضرورية والنظرية"إذا الضروري ما لزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه الانفكاك عنه ولا الخروج مه وهو يقع من ستة أوجه، والحواس الخمس التي هي حاسة البصر وحاسة السمع وحاسة الشم وحاسة الذوق وحاسة اللمس، والسادس ما علمه المخلوق ابتداء من غير إدراك حاسة من هذه الحواس كالعلم بحال نفسه من صحته وسقمه وفرحه وحزنه وغير ذلك."
(1) -نفسه 1/67-68.