والعلم النظري ما احتاج إلى تقدم نظر واستدلال ووقع عقيبه بغير فصل (1) ؛ وإذا كان ابن حزم يضفي على العلم النظري مشروعية العلم الضروري وذلك باعتماد هذا الأخير على المقدمات النصية بمعنى أنه بإمكان العلم النظري أن يصبح علما ضروريا"النظر إذا كان موجودا، لا يحتمل إلا وجها واحدا من مقدمات إجماعية ومما يوجب علما بالضرورة، أو من نقل مقبول بالتواتر لا معارض له، فالعلم موجبه علم ضروري…" (2) .
إن المرحلة الحسية والعقلية التي سبق أن أشرنا إليها تعتبر مرحلة متأخرة عن مرحلة الجهل لأن أصل الإنسان أنه يولد جاهلا، فليس في عقله أو في نفسه ما يستوجب المعارف الاكتسابية أو الاضطرارية أو هما معا وإنما"الصحيح من هذه الأقاويل أن المراد أن المرء يخرج إلى الدنيا لا معرفة له بشيء ولا بحركاته إلا حركات طبيعية…" (3) ، والحركات الطبيعية في نظر ابن حزم لا تعتبر معرفة، فالمعرفة الحقة هي التي تكون بالعقل والحس وليس العقل والحس بتشريع سابق (4) ، ولهذا فلا تعليل ولا تحريم إلا بالنص لأن أصلا الإنسان جاهل، ولذلك أرسل الله رسوله ليعلم الناس الكتاب والحكمة"يعلمكم الكتاب والحكمة" (البقرة:151) .
(1) -إحكام الفصول: الباجي 170-171. انظر كذلك: الإحكام: ابن حزم 1/66.
(2) -الأصول والفروع: ابن حزم، ص: 95-96.
(3) -نفسه، ص: 92 والإحكام: ابن حزم، 8/10.
(4) -الإحكام: ابن حزم 1/54. انظر كذلك موقف ابن حزم من: هل الأشياء في العقل قبل ورود الشرع على الحظر أم على الإباحة، الإحكام 1/52 وما بعدها.