فلماذا إذن لم يقف المالكية عند المعنى الأول الظاهري من النص ؟ لماذا كلفوا أنفسهم عناء البحث عن الدلالة الثاني ؟ إن المالكية فد أدركوا بحسهم المرهف أن الشريعة إنما انبنت على المقاصد ولهذا، فلا مفر لهم من الوقوف عند هذه المقاصد الشرعية، إنهم أدركوا أن الشريعة ليست"نصوصا لغوية على أساس من قواعد النحو وأساليب البيان فحسب، بل هي قبل كل شيء يمثل إرادة المشرع من التشريع (1) . إنهم أدركوا كذلك أن المنهج الذي ينبغي أن تتعامل به الشريعة يجب أن يكون مناسبا لمادتها وليس شيئا أكثر مناسبة لذلك من المقاصد، ومن هذا المنطلق سيختلفون مع الظاهرية"الذين لا يكلفون أنفسهم مشقة البحث عن مراد الشارع ولا عن السبب الموجب للحكم ولا عن المصلحة التي هي غاية التشريع (2) .
ولعل هذا ما سيجعل الهوة بين المدرستين جد متباعدة لأن عدم اعتبار مقصد الشرع سيجعلهم يتنكرون للعلة التي هي مظنة حكم المقصد"فأول ذنب عصي الله به التعليل لأوامر الله بلا نص وترك اتباع ظاهرها وذلك قول إبليس"ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا تكونا ملكين"استنبط علة لنهي الله لهما عن أكل الشجرة ولم يصح التعليل عن صحابي ولا قال به قط" (3) .
ولهذا، فلا غرو أن يتنكر ابن حزم لكل علة مستفادة من بعض النصوص كقوله تعالى"ولكم في القصاص حياة" (البقرة: 179) وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الرطب أينقض إذا يبس ؟ قالوا نعم قال فلا إذا وكقوله- صلى الله عليه وسلم -"إنما الاستئذان من أجل البصر" (4) .
(1) -المناهج الأصولية: فتحي الدريني، ص: 27.
(2) -نفسه 30.
(3) -ملخص إبطال القياس: ابن حزم، ص: 49.
(4) -نفسه 47.