فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 262

إن هذه التفرقة التي ذهب إليها الباجي هي التي اتفق عليها جميع الأصوليين، فالآمدي يميز بين النص والظاهر ويعتبر الظاهر"ما دل على معنى بالوضع الأصلي أو العرفي ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا" (1) . وهو كذلك ما ذهب إليه الغزالي"هو الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع" (2) . إن القطعية التي ظنها ابن حزم الظاهر لا يقبلها الغزالي ولا يقبلها جمهور الأصوليين لاحتمال معنى: الظاهر معاني متعددة مع احتماله للتأويل. وابن حزم وإن كان لا ينكر تأويل الظاهر فهو لا يرى تأويله إلا بالنص أو بالاجتهاد ليبقى في دائرة النص أو القطع، ولكنه رغم ذلك فالظاهر والنص يختلفان من جهة"أن المعنى المستفاد من النص، فقد قصده الشارع أصالة من سوق الكلام فازداد قوة وضوح، وأما المعنى المستفاد من الظاهر فلم يقصده الشارع أولا وبالذات من سوق الكلام، بل قصده تبعا ليمهد للمعنى الأصلي" (3) . ويمكن توضيح هذا الفرق بقوله تعالى:"وأحل الله البيع وحرم الربا" (البقرة: 275) ، فالمعنى المتبادر هو حل البيع وحرم الربا وه معنى يتضح بمجرد سماعه دون بذل فكر وتأمل، ولكنه نص في التفرقة بين البيع والربا لأن التفرقة بين البيع والربا هو المعنى المقصود أصالة من نزول الآية. وعرف من سباق الآية" (4) ."

أعتقد أن الذي جعل ابن حزم يسوي بين النص والظاهر ويعطي معنى النص للظاهر هو إرادته إسقاط المدلول الذي يحمله النص لأن"الظاهر لا يخرج العبارة عما حملت ألفاظها من مدلولات، أما النص فهو تحميل العبارة مدلولات أكثر مما يبدو في ظاهرها بالنظر إلى قصد الشارع بما يظهر من القرائن (5) ."

(1) -الإحكام في أصول الأحكام: الآمدي 2/198.

(2) -نفسه 2/198.

(3) -المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي: فتحي الدريني، ص: 54.

(4) -نفسه ص: 52.

(5) -التصور اللغوي عند الأصوليين: السيد أحمد عبد الغفار، 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت