إن ما جعل ابن حزم يسقط مقصدية النص هو إيمانه بالحفاظ على نسقية فكره، فالظاهر عنده عليه مدار كل فكره وعليه مدار كل أصوله"وخمل الكلام على ظاهره الذي وضع له في اللغة فرض لا يجوز تعديته" (1) ، وقد ثبت ذلك بالوحي. قال تعالى"اتبع ما أوحي إليك من ربك" (الإنعام: 106) فأمر باتباع الوحي النازل المسموع الظاهر فقط. وثبت بالأحاديث"وقد أتت الأحاديث الصحاح بحمل كل كلام على ظاهره" (2) .
إن الظاهر الذي يعنيه ابن حزم ليس هو الحرفية هكذا وبهذه البساطة، بل إن الظاهر الذي يعنيه هو حمل اللفظ على عمومه ووجوبه"فكل من لم يحمل كلام الله على ظاهره وعمومه وجوبه فقد كفر" (3) . كما هو حمل للفظ على معناه الذي وضع له لغة"فكل خطاب ول قضية فإنما تعطيك ما فيها لا تعطيك حكما في غيرها، وان ما عداها موافق لها ولا أنه مخالف لها…" (4) . كما أن الظاهر عنده يعني حمل المسميات على أسمائها ولا يحل للمرء حل لفظ عن معناه إلى آخر إلا بنص (5) .
إن ما يمكن استنتاجه مما سبق أن ابن حزم حين يطلق عبارة الظاهر فهو لا يعني بها الوقوف ضد الحرفية كما يعتقد، وإنما يعني بها حمل الكلام على حقيقته، وحقيقته تتمثل في حمل أمر على الوجوب والتحريم والفور والعموم.
2-الوجوب والتحريم:
(1) -الفصل: ابن حزم 3/3.
(2) -الإحكام: ابن حزم 3/17.
(3) -نفسه 3/127.
(4) -نفسه 7/2-3.
(5) -انظر النبذة الكافية: ابن حزم، ص: 36.