كل مسلم مُطَالب بأن يكون على قدر كبير من اليقظة والحذر، فالمؤمن كَيِّس فَطِن، فلابد أن يكون أهلًا للمسؤولية المنوطة به، ويؤدي دوره في الحياة وفق منهج دقيق منظم، وهذا يتطلب منه إحكام أعماله، وضبط تصرفاته، توخيًا لدفع كيد أعدائه.
والحس الأمني لابد منه لكل فرد من أفراد الأمة، في كل أمر من أمور حياته، الخاصة منها والعامة. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كلَّ ذي نعمةٍ محسود) [1] ، فإذا كان الكتمان في الحوائج الشخصية المادية مطلوب، ومأمور به، ففي الحوائج العامة المتعلقة بمصير الأمة من باب أولى.
وقد كان الحس الأمني لدى أفراد الصحابة رضي الله عنهم في بدء الدعوة بمكة، ظاهرًا في مواقف عديدة، تؤكد مدى اهتمام السلف رضي الله عنهم بهذا الجانب، وتطبيقه في الحياة العملية للدعوة، وقد استخدموا مع كل موقف ما يناسبه، ويتطلبه من تصرف حذر سليم .. وسنحاول الوقوف على بعض هذه المواقف كل على حدة.
المطلب الأول: الحس والحذر لدى أم جميل رضي الله عنها
عندما أراد سيدنا أبو بكر رضي الله عنه الحصول على المعلومة الخاصة بمكان الرسول صلى الله عليه وسلم عقب الأذى الجسيم الذي تعرض له سيدنا أبو بكر من قِبل أعداء الدعوة، طلب من والدته أم الخير، الذهاب إلى أم جميل، لمعرفة مكان الرسول صلى الله عليه و سلم منها: (فخرجت أمُّ الخير حتى جاءت أمَّ جميل، فقالت: إنّ أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟ فقالت أم جميل: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك فعلت. قالت: نعم. فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا [2] . فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قومًا نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم. قال: فإن لله عليّ ألا أذوق طعامًا ولا شرابًا، أو آتي رسول الله صلى الله عليه و سلم .. فأمهلتا، حتى إذا هدأت الرِّجْل، وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه و سلم) .
هذا النص يظهر بوضوح الحس الأمني لأم جميل، الذي برز في عدة تصرفات، لعل من أهمها:
(1) - أخرجه السيوطي في الجامع الكبير، والطبراني في الكبير، وأبو نعييم في الحلية.
(2) - دنفًا: ثقيل المرض قريبًا من الموت.