الحقيقة، وذلك لسماعه الصوت، لكنهم اعترفوا دون أن يصرحوا بما في أنفسهم، وهو نوع من التعريض، المطلوب في مثل هذا الموقف.
سادسًا: استغلال الفرصة لكسب العدو:
ويظهر ذلك عندما طلب سيدنا عمر من فاطمة أن تعطيه الصحيفة، فاستغلت فاطمة الفرصة السانحة، فطلبت منه أن يغتسل، ففعل، ثم قرأ، فخشع قلبه، وهنا خرج سيدنا خباب بعد أن سمع ثناء سيدنا عمر على القرآن، فاستغل ذلك الموقف، فقال: أبشر يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: (اللهم أيد الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي الحكم بن هشام) ، فالله الله يا عمر [1] . من ذلك يتضح مدى اليقظة التي كان يتمتع بها كل من خباب وفاطمة، والقدرة على اغتنام الفرص، لكسب العدو، وكان نتاج ذلك أن أسلم سيدنا عمر رضي الله عنه.
قدم أبو ذر الغفاري إلى مكة باحثًا عن الدين الجديد، الذي ظهر بها، وكان ينوي مقابلة الرسول صلى الله عليه و سلم، وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، فاستضافه سيدنا علي ثلاث ليال، قال له بعدها: ما أمرك؟ وما أقدمك هذه البلدة؟ فأجابه أبو ذر بقوله: إن كتمت عليّ أخبرتك. وفي رواية: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا أن ترشدني أخبرك، قال: فإني أفعل، قال: بلغنا أنه خرج هاهنا رجل يزعم أنه نبي الله، فأرسلت أخي يكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه. فقال علي: أما إنك قد رشدت، وهذا وجهي إليه، أدخل حيث أدخل، فإن رأيت أحدًا أخافه عليك قمت إلى الحائط، كأني أصلح نعلي، وفي رواية: كأني أريق الماء، فامض أنت، فسار علي وأبو ذر خلفه، حتى دخل على النبي صلى الله عليه و سلم [2] .
من النص السابق تتبين عدة جوانب هامة، من أبرزها:
أولًا: التأني والتريث في الحصول على المعلومة:
لقد تأنى سيدنا أبو ذر الغفاري في السؤال عن الرسول صلى الله عليه و سلم، وكره أن يسأل عنه، لما يعرفه من كراهية قريش لكل من يخاطب الرسول صلى الله عليه و سلم، وهذا التأني تصرف أمني تقتضيه حساسية الموقف، فلو سأل عنه، لعلمت به قريش، وبالتالي قد يناله من العذاب الشيء الكثير أو يطرد، ويخسر بالتالي الحصول على المعلومة، التي من أجلها حضر، وتحمل في سبيلها مصاعب ومشاق السفر.
(1) - انظر السيرة الحلبية لابن برهان الدين، ج 1 ص 36، وابن هشام، ج 1 ص 344، والرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 121، والسيرة النبوية للندوي ص 118.
(2) - انظر صحيح البخاري، باب إسلام أبي ذر، ج 1 ص 545، ونور اليقين، محمد الخضري، ص 44، والرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 157.