حين سأل سيدنا عليُّ أبا ذر عن أمره، وسبب مجيئه إلى مكة، لم يخبره، بالرغم من أنه استضافه ثلاثة أيام، إمعانًا في الحذر، فاشترط عليه قبل أن يخبره أن يكتم عنه، وفي ذات الوقت أن يرشده، فهذا غاية في الاحتياط، وبذا يكون قد ضمن السرية والكتمان لأمره، وفي الوقت ذاته الحصول على المعلومة، التي يبحث عنها، وهذا ما تم بالفعل.
ثالثًا: التغطية الأمنية للتحرك:
تم الاتفاق بين عليٍّ وأبي ذر على إشارة، أو حركة معينة، كأنه يصلح نعله، أو كأنه يريق الماء، وذلك عندما يرى سيدنا علي من يترصدهم، أو يراقبهم، فهذه تغطية أمنية لتحركهم تجاه المقر (دار الأرقم) ، هذا إلى جانب أن أبا ذر كان يسير على مسافة من علي، فيُعد هذا الموقف احتياطًا، وتحسبًا لكل طارئ، قد يحدث أثناء التحرك.
سُقْنَا هذه الأمثلة، لنؤكد تفوق الصحابة رضي الله عنهم في الجوانب الأمنية، بينما نجد في المقابل أن الحس الأمني لدى الكفار كان ضعيفًا .. ويمكن أن يلاحظ فشلهم هذا في عدة مواقف، منها: عدم معرفة المقر الخاص (دار الأرقم) للمسلمين، فلو كانت المراقبة اللصيقة متوفرة، لأمكن معرفة الدار عن طريق المتابعة، لأحد أفراد الدعوة، حتى يمكن من خلال مراقبته الوصول إلى الدار، ولكنهم فشلوا في ذلك. وكذلك عدم معرفة قريش، لكثير من الذين دخلوا في الإسلام حتى من قبل أقربائهم، فسيدنا عمر رضي الله عنه مثلًا، لم يكن يعلم بإسلام أخته وابن عمه، وهم أقرب الناس إليه. فهذا دليل أيضًا على عدم المراقبة اللصيقة حتى لأقرب الأقربين.
لقد كان الحس الأمني لدى أفراد قريش ضعيفًا، فمثلًا سيدنا عمر رضي الله عنه، لم ينتبه لنعيم بن عبد الله عندما أخذ منه المعلومة، ثم ضلله عن هدفه .. وكذلك والدة سيدنا أبي بكر رضي الله عنهما، لم يكن لديها الحس، الذي يمكنها من التعرف على أن أم جميل مسلمة، وأنها تعلم بمكان النبي صلى الله عليه و سلم [1] .. وكذلك لم تكن رقابة الكفار إلى الوافدين لمكة وتحركاتهم متوفرة في تلك الفترة، بدليل أن سيدنا أبا ذر رضي الله عنه جاء وجلس ثلاث ليال في الحرم، يبحث عن الرسول صلى الله عليه و سلم [2] ، حتى أخذه سيدنا علي معه إلى منزله واستضافه عنده، ولم يكتشف أمره.
وثمة سؤال لابد من الوقوف عنده، وهو ما دام أن أهل مكة لا يهتمون بالجوانب الأمنية، فمن أين اكتسب الصحابة رضي الله عنهم هذا الجانب، وما هم سوى أفراد من ذلك المجتمع المكي؟
(1) - انظر البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 29.
(2) - انظر صحيح البخاري، باب إسلام أبي ذر، ج 1 ص 544، وص 545.