فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 100

أما صاحب خزاعة، فهو رجل مجهول لدى قريش، مما سهل مهمة اتصاله بمن أرسل إليهم دون أن يعترضه أحد، أو أن يحول بينه وبين مهمته حائل. وهذا ما تم بالفعل، حيث تمكن من أخذ الجوار لرسول الله صلى الله عليه و سلم، دون أن يشعر به أحد.

ـ جانب الحماية والأمن في الدعاء:

الدعاء من أعظم العبادات، وهو سلاح فعّال في مجال الحماية للإنسان وتحقيق أمنه، فمهما بلغ العقل البشري من الذكاء والدهاء، فهو عرضة للزلل والإخفاق، وقد تمر على المسلم مواقف يعجز فيها عن التفكير والتدبير تمامًا. فليس له مخرج منها سوى أن يجأر إلى الله بالدعاء، ليجد له فرجًا ومخرجًا.

فعندما لحق برسول الله صلى الله عليه و سلم من أهل الطائف الأذى والطرد والسخرية والاستهزاء، وأصبح هائمًا على وجهه، لجأ إلى الله قائلًا: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربي ورب المستضعفين) . فما أن انتهى من الدعاء، حتى جاءت الإجابة من السماء مع جبريل وملك الجبال [1] .. وليس من شك في أنه كانت لهذه الإجابة أثرها الكبير على نفس رسول الله صلى الله عليه و سلم، فإذا كان الناس قد تنكّروا له، وآذوه، وطردوه، فإن الله معه، ناصره ومعينه، وبذا وجد الرسول صلى الله عليه و سلم تأييدًا ربانيًا، أعطاه دفعة معنوية كان أحوج ما يكون إليها في مثل تلك الظروف الحرجة.

المطلب الثالث: جوانب الحماية والأمن في عرض الدعوة على القبائل وإرسال الدعاة

بعد أن أصبحت بيئة مكة طاردة للدعوة، وتيقن الرسول صلى الله عليه و سلم أن مكة ليست بالموضع الذي يحمي ويحمل الدعوة، بدأ بالبحث عن موضع آخر وقبيلة أخرى تقوم بدور الحماية للدعوة، وتتحمل تبعاتها، فعرض نفسه صلى الله عليه و سلم على القبائل بمختلف أسمائها .. قال الزهري: (وكان ممن يسمى لنا من القبائل، الذين أتاهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ودعاهم وعرض نفسه عليهم: بنو عامر بن صعصعة، محارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرة، وبنو حنيفة، وسليم، وعبس، وبنو نضر، وبنو البكاء، وكِندة، وكَلْب، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد) [2] .

وهذه القبائل التي سماها الزهري، لم يكن عرض الإسلام عليها في سنة واحدة، ولا في موسم واحد، بل إنما كان ما بين السنة الرابعة من النبوة إلى آخر موسم قبل الهجرة [3] .

وسنبدأ عرضنا بذكر بعض الأساليب التي اتخذتها قريش لصد هذه القبائل عن الإسلام، ثم نوضح الجوانب الأمنية التي انتهجها الرسول صلى الله عليه و سلم خلال عرضه نفسه على القبائل.

(1) - انظر صحيح مسلم، باب ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين، ج 2 ص 109.

(2) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 424.

(3) - البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 136، وانظر الرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت