فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 100

المبحث الأول: مقاومة وإحباط أساليب قريش العدوانية

لقد استخدمت قريش عدة أساليب عدوانية في المرحلة الجهرية، للحيلولة دون دخول الناس في الإسلام، والقضاء على الرسول صلى الله عليه و سلم ودعوته، فقد استخدمت أسلوب الحرب النفسية، ولمّا لم تجد جدوى لذلك، لجأت إلى الاضطهاد، فعجزت، ثم اعتمدت أسلوب المفاوضات، المباشرة وغير المباشرة، ولم تفلح، ثم ضربت حصارًا صارمًا على المسلمين ففشلت .. وسوف نتناول في هذا المبحث، بإذن الله، كل أسلوب من هذه الأساليب على حدة، لنقف على الكيفية التي نُفذ بها، وكيفية مقاومة المسلمين له.

المطلب الأول: الحرب النفسية ومقاومة المسلمين لها

تعتبر الحرب النفسية من أخطر أنواع الحروب، التي تواجه العقائد والحركات الإصلاحية، في كل زمان ومكان، فهي تستهدف الأفكار، والتعاليم الناهضة، لتحول بينها وبين الوصول إلى العقول، والرسوخ في القلوب، وهي تبذر بذور الفرقة والانقسام، وتضع العقبات أمام التقدم والتطور، وتعمل في الظلام، وتطعن من الخلف، وتلجأ إلى التشويش على المعتقدات والأفكار، وخلق الأقاويل والإشاعات، ونشر الإرهاب، واتباع وسائل الترغيب والترهيب، مما يجعل هذه الحرب أشد خطورة من المواجهة العسكرية في ميادين القتال [1] .

لذا كانت الحرب النفسية وخاصة الإشاعة [2] ، أول أسلوب جابهت به قريش الدعوة في مرحلتها الجهرية .. فقد استخدمت قريش الإشاعة أيما استخدام ضد الدعوة والرسول صلى الله عليه و سلم، فلم يمض على الجهر بالدعوة إلا أَشْهُر معدودة، حتى اجتمعت قيادة قريش، كي تتوصل إلى اتفاق حول كلمة يقولونها للعرب عن محمد صلى الله عليه و سلم، في موسم الحج، فقال لهم الوليد: (فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولُكم بعضُه بعضًا) . فجرت مداولات، وآراء خرجوا منها بأن يقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته [3] .

وهذا اتفاق محكم على إطلاق هذه الإشاعة في موسم الحج عن قائد الدعوة، ووصفه بالسحر، مما يجعل هذه الإشاعة تنتشر في جميع أصقاع الجزيرة العربية عن طريق وفود الحجيج .. واتفاقهم على كلمة ساحر هذه، جعل الإشاعة محكمة، فلو تعددت الكلمات، وتباينت، لأدى ذلك إلى أن تكذب قريش بعضها بعضًا، مما

(1) - الرسول صلى الله عليه وسلم والحرب النفسية، علي حسني الخربوطي، ص 2، ط مكتبة الأنجلو المصرية.

(2) - الإشاعة: اصطلاح يطلق على رأي موضوعي معين يؤمن به من يسمعه، وهي تنقل عادة من شخص لآخر عن طريق الكلمة الشفهية، دون أن يتطلب ذلك مستوى من البرهان أو الدليل. انظر الحرب النفسية، صلاح نصر، ج 1 ص 302، دار القاهرة، الثانية.

(3) - انظر السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 271.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت