يضعف أثر ومفعول الإشاعة، ولكن هذا الاتفاق قاد إلى سريان هذه الإشاعة، حتى إن الرجل يأتيه صاحبه من مصر أو اليمن، فيأتيه قومه أو ذوو رَحِمِه، فيقولون له: (احذر فتى قريش لا يفتنك) [1] .
ثم استخدموا أسلوبًا آخر من أساليب الحرب النفسية، يقوم على السخرية، والتحقير، والاستهزاء، والضحك، قصدوا من ذلك تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا صاحب الدعوة صلى الله عليه و سلم بالجنون [2] ، (وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) (الحجر: 6) .
ومن المفتريات الأخرى التي أشاعتها قريش عن النبي صلى الله عليه و سلم، الكذب، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم، أصدق الناس، وأبرهم، بدليل أن أبا سفيان، عندما سأله هرقل عن رسول الله صلى الله عليه و سلم: هل جربتم عليه الكذب؟ قال: لا. فقال هرقل: ما كان يدع الكذب على الناس ويكذب على الله [3] .
وكانوا يضحكون من المؤمنين، ويسخرون منهم، ويغمز بعضهم بعضًا عند مرور المسلمين بين أيديهم، قال تعالى: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ـ وإذا مروا بهم يتغامزون ـ وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ـ وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون ـ وما أرسلوا عليهم حافظين) (المطففين: 2933) .
واتبعت قريش أسلوبًا آخر من أساليب الحرب النفسية، تمثل في تشويه تعاليم الإسلام، وإثارة الشبهات حولها، وبخاصة القرآن الكريم، وكانوا يكثرون من ذلك، بحيث لا يبقى للعامة مجال في تدبر القرآن [4] ، فنسبوا ما جاء به القرآن إلى أساطير وأكاذيب الأولين، التي تملى على سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم صباح مساء: (وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) (الفرقان: 5) .. كما زعموا أن القرآن مفترى من قِبَل محمد صلى الله عليه و سلم، وأعانه عليه قوم آخرون: (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون) (الفرقان: 4) .. وكانوا يقولون: (إنما يعلمه بشر) (النحل: 103) .. فهم يرجعون القرآن إلى مصدر بشري لا إلهي، قال السيوطي فيما رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعلم قينًا بمكة اسمه (بلعام) وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون النبي صلى الله عليه و سلم يدخل ويخرج من عنده، فقالوا إنما يعلمه بلعام [5] .. كما أنهم كانوا يقومون بالصياح، ويأتون باللغط أثناء قراءة النبي صلى الله عليه و سلم للقرآن، عَلَّه يسكت عن القراءة، أو يكون سببًا يحول بين سماع الناس للقرآن، قال تعالى: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) (فصلت: 26) .
(1) - دلائل النبوة للبيهقي، ج 2 ص 442.
(2) - انظر فتح الباري لابن حجر، ج 1 ص 32، الطبعة السلفية.
(3) - انظر الإشاعة، د. أحمد نوفل، ص 33ن دار الفرقان، الأردن، والوفاء بأحوال المصطفى، لابن الجوزي، ج 2 ص 447.
(4) - انظر الرحيق المختوم لصفي الرحمن، ص 97.
(5) - لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي، هامش تفسير الجلالين، ص 505، دار المعرفة، بيروت.