كما تظهر أيضًا مدى حنكة وحكمة المصطفى صلى الله عليه و سلم في استغلال عدوه كي يصبح عونًا له في صد الطلب عنهما، وذلك من قوله لسراقة: (أَخْفِ عَنَّا) ، فرجع سراقة، فوجد الناس في الطلب، فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر، قد كفيتم ما هاهنا .. وكان أول النهار جاهدًا عليهما، وآخره حارسًا لهما [1] .
لما كان سيدنا أبو بكر معروفًا لدى معظم سكان الطريق، لاختلافه إلى الشام بالتجارة، ركب خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم، وكان يمر بالقوم فيقولون: من هذا الذي بين يديك يا أبا بكر؟ فيقول: هذا الرجل يهديني الطريق [2] .. وفي ذلك تورية من أبي بكر رضي الله عنه، فطالما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الهدف لقريش، ورصدت لمن يعثر عليه مائة ناقة، وهي ثروة طائلة تجعل كل من يسمع بهذه الجائزة يجتهد في البحث عن النبي صلى الله عليه و سلم، بغية الحصول على تلك الثروة .. وتقديرًا للموقف لم يكشف أبو بكر رضي الله عنه عن شخص الرسول صلى الله عليه و سلم، بل اكتفى بالتورية، وبالتالي كانت إجابته تنفي الاستفهام الذي يحوم حول الركب دون أن يكذب.
إن الدعاة إلى الله لابد أن يكونوا على قدر من الوعي واللباقة، وحضور البديهة، وحدّة الذكاء، مما يجعلهم قادرين على مخادعة عدوهم، والإفلات منه [3] .
ويظهر الحس الأمني لسيدنا أبي بكر، في موضع آخر، حين قال: (فضربت بصري هل أرى ظلًا نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة، فأهويت إليها، فنظرت فإذا بقية ظلها فسويته لرسول الله صلى الله عليه و سلم، وفرشت له فروةً، وقلت: اضطجع يا رسول الله! فاضطجع، ثم خرجتُ أنظر هل أرى أحدًا من الطلب، فإذا أنا براعي غنم، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش، فسمَّاه فعرفتُه، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة منها، ثم أمرته فنفض ضَرْعَها من الغبار، ثم أمرتُه فنفض كفيه من الغبار، ومعي إداوة على فمها خِرقة، فحلب لي كُثْبَةً أي قليلًا من اللبن، فصببت على القَدَح حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله! فشرب حتى رضيت، ثم قلت: هل آن الرحيل؟ فارتحلنا) [4] .
هذا النص يؤكد حرص واهتمام أبي بكر بعدة جوانب لتحقيق الحماية والأمن، من أبرزها استكشاف مكان الاستراحة، حيث ذهب إلى الصخرة، وتيقن من خلوها، فنظفها وفرش لرسول الله صلى الله عليه و سلم الفروة
(1) - انظر زاد المعاد لابن القيم، ج 2 ص 53.
(2) - رواه البخاري ج 1 ص 556 باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) - انظر المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير محمد الغضبان ص 194.
(4) - البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 185.